موضوع اليوم سيكون عن شعرية الحداثة في العصر العباسي وهي تشمل ما يلي
1- نظرية عمود الشعر ومرايا الاختلاف وتشمل؛
أ- بين الشكل والجوهر شرف المعنى وصحته.
2- معايير عناصر عمود الشعر ويشمل؛
أ- مقوم التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن.
ب- مقوم مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضاء هما للقافية.
ج- عيار الاستعارة.
1- نظرية عمود الشعر ومرايا الاختلاف؟
لقد كانت قضية عمود الشعر عند المرزوقي واضحة وجلية لجعلها في صورتها التامة المكتملة، ذلك أن الدراسات النقدية القديمة لم تدخر جهدا في محاولات كثيرة لتحديدها وضبطها كما سبق وأن رأينا ذلك عند أصحاب الرؤية النقدية المحافظة الذين كانوا يتعصبون للقديم ويعتبرون نظام القريض عند امرئ القيس وأمثاله من الشعراء الفحول نظاما تقاس عليه سائر الأنظمة القريضية التي ظهرت من بعده واتخذته قاعدة لا يعترف الناقد من هؤلاء المتعصبين إلا بما يستجيب من الشعر المقتضياتها، وهذه القاعدة لم توضع كأساس فكري وخلفية نقدية إلا عندما أجمع أصحاب الذوق القديم على التمييز بين خطة القدماء في القول وخطة أبي تمام وغيره من المحدثين في القول، والقاعدة التي اهتدى القدماء من النقاد إلى وضعها هي ما صغوه في نظرية عمود الشعر.
وقد أشرنا فيما سبق أن الآمدي هو من كان له الفضل في استخدام مصطلح عمود الشعر وتأصيله له بهذا المصطلح فنحن نجده عنده لأول مرة، وإذا نحن تتبعنا المصطلح في مساره التاريخي نجده في طيات الكثير من إشارات القدامى التي استفاد منها الأمدي في تأسيسه وإخراجه للمصطلح، سيما ما ورد عن الجاحظ في كتابه البيان والتبيين في توظيفه لمصطلح عمود الخطابة عندما قال: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب قال سمعت أبا داود بن جرير يقول : رأس الخطابة الطبع وعمودها الدرية وجناحاها رواية الكلام وحليها الإعراب وبهاؤها تخير الألفاظ والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه، غير أن الأمدي استفاد منه لتوظيفه فيما يتعلق بالشعر ومقوماته التي يقوم عليها من خلال استخلاصها من أشعار القدماء، وهو بذلك يكون قد افتك الفضل والسبق في إطلاقه والتأسيس له من خلال استمداد خصائص العمود المتعلقة بالأسلوب والمعاني والأخيلة بالرجوع إلى شعر الأوائل.
بينما ينسب نضوج العمود واكتمال عناصره لأبي علي المرزوقي في مقدمة شرحه الحماسة أبي تمام، وقد استفاد من عديد الآراء النقدية التي سبقته كالتي عدها الآمدي ووضحها الجرجاني، في صياغته النظرية عمود الشعر التي ارتبطت به كما أنه استخلص عيار كل عنصر منها من الحصول العام المجتمع من آراء الآمدي وقدامة والجرجاني وابن طباطبا فكانت صياغته العمود الشعر هي خلاصة الآراء النقدية في القرن الرابع على نحو لم يسبق إليه ولا تجاوزه أحد من بعده، فلو لم يكن عمود الشعر هو الصيغة التي اختارها شعراء العربية لكان في أقل تقدير هو الصورة التي اتفق عليها النقاد.
وبالتالي فإن النظرية التامة للعمود الشعري في صورتها النهائية مرتبطة بالمرزوقي مع اعتبار الرأي القائل بوجود ما يشبهها في النقد السامي القديم والذي يسبق زمنيا المرزوقي وهو عبارة عن دراسة الناقد العربي التدمري كاسيوس لونجينوس الفيلسوف والبلاغي التدمري في مقالته، في السمو، جاء بمعايير تقارب ما جاء به المرزوقي وقبله الجرجاني مع الفارق الزمني والمكاني بينهما إذ عاش لونجينوس في القرن الثالث الميلادي، أما المرزوقي فمن القرن الخامس هجري والتقارب بين لونجينوس والمرزوقي أو الجرجاني يكشف عن خصوصية الشعرية السامية ولا سيما العربية ولعلها تتضح أكثر عند اليونانيين القدماء مع أرسطو في فن الشعر ثم مع الناقد الأمريكي استوفر في كتابه :طبيعة الشعر، إذ جاء بسبعة معايير أيضا يراها مقومات للشعرية الغربية، لا يختلف فيها عن أرسطو والمقاربة بين هذه العناصر السبعة عند استوفر وعناصر المرزوقي السبعة أيضاً تكشف عن خصوصية الشعرية العربية على نحو متميز، وبما أن كاسيوس لونجينوس قد سبق كل من الجرجاني والمرزوقي زمنيا كان من الطبيعي أن تجد تقارب بين بين عناصر الشعر عنده وعناصر عمود الشعر عند كل من الجرجاني والمرزوقي ما يفسر استحضار مرجعي للحضارات السابقة والتي يكون ربما في الأصل ما هو إلا امتداد لها كما هو الشأن بالنسبة للشعوب السامية التي استوطنت الأرض العربية الأمر الذي جعل الكثير من النقاد المعاصرين يرون أن نظرية عمود الشعر هي مفهوم عربي سامي يلخص تجربة العرق العربي أو الأقوام السامية في التعبير الفني.
وبما أن الجرجاني سبق المرزوقي زمنيا فإن أي محاولة للمقارنة لابد أن تجمع كل من الجرجاني ولونجينوس في ميزان واحد أما بشأن المرزوقي فيمكننا أن نقول أنه قد اجتهد في غربلة عناصر النقد العربي السابق وتصورات الجرجاني وأعاد تشكيلها في نظرية مكتملة والجدول التالي يوضح مدى التطابق الموجد بين عناصر لونجينوس والجرجاني.
من خلال هذا الاستعراض لكل من عناصر الشعر في النقد السامي وعمود الشعر عند الجرجاني نلاحظ تطابق كبير عند كل منهما فعناصر عمود الشعر كما أوردها أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني 392هـ في كتابه :الوساطة، وتابعه من جاء بعده من النقاد العرب، تتناسب إلى حد التطابق تقريبا كما أورده في القرن الثالث للميلاد كاسيوس لونجينوس بينما المقاربة بين عناصر لونجينوس وما جاء به المرزوقي يكشف حتما عن درجات متقاربة في العناصر بينهما ولعل هذا مرده إلى التلقي الشفهي التأثري الذي اهتم به الناقد.
ولقد نص عليها المرزوقي على سبعة معايير للشعر بناء من طريقة العرب لاسيما العصر الجاهلي باعتباره النموذج الأرقى في قول الشعر والذي استقرت عنده الذائقة وذلك في قوله: الواجب أن يتبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب، ليتميز تليد الصنعة من الطريف وقديم نظام القريض من الحديث، ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه ومراسم إقدام المزيفين على ما زيفوه، ويعلم أيضاً فرق ما بين المصنوع والمطبوع وفضيلة الأتي السمح على الأبي الصعب.
والظاهر أن المرزوقي سعى في وضع مقوماته إلى التفريق بين المطبوع والمصنوع من الشعر بهدف الدفاع عن طريقة العرب والمحافظة عليها من بوادر الحداثة الشعرية التي نضحت مع أبي تمام بشكل خاص وقد نص على عمود الشعر عند العرب في قوله: إنما كانوا يحاولون، إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته والإصابة في الوصف، ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات والمقاربة في التشبيه والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن ومناسبة المستعار منه والمستعار له ومشاكله اللفظ للمعنى وشده اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما، فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار.
ويمكن القول إن المرزوقي عاد في تحديده لعناصر العمود بالعناصر التي ذكرها الجرجاني وأضاف عليه: التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له ومشاكله اللفظ للمعنى وشده اقتضائهما للقافية، وهذه عناصر عمود الشعر التي وضعها المرزوقي وحدد معاييرها وهي الخصال المعتمدة في شعر العرب فمن لزمها بحقها، وبنى شعره عليها فهو عندهم المفلق المعظم والمحسن المقدم ومن لم يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن، إذن فهذه هي العناصر السبعة الفنية التي ذكرها المرزوقي نوردها في شكل قواعد تحاول تفسيرها والرجوع بها إلى أصولها الأولى لتتضح لنا صورتها الكاملة بكل ما تشمله من اختلافات وتعدد لوجهات النظر عند النقاد السابقين وأول عنصر سيكون
أ- بين الشكل والجوهر، شرف المعنى وصحته؟
ويقصد به التزام المعنى الشريف واختيار الصفات المثلى لأداء المعنى، ولا يقصد به ما يتبادر إلى الذهن على أنه يخص الجانب الأخلاقي، ولكن المقصود بالشرف أن يكون من أحسن المعاني وأسماها ذلك السمو الذي يرتضيه العقل السليم والفهم النافذ وكذلك عرض المعنى في صورة زاهية مشرقة تشعر بصحته والصواب في المعنى أداؤه للغرض الذي يعالجه بأمانه ووضوح.
وقد دعا بشر بن المعتمر في صحيفته سابقا إلى تحري المعنى الشريف وانتقاء له من اللفظ الحسن المناسب لمقتضى الحال وذلك في قوله: وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع ، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة وبالتكلف والمعاودة، وأفاد الجاحظ منه أيضا فجعل لشرف المعنى مقومات ثلاثة رئيسة هي :الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال، وهذه مقومات تمثل شروط تحقق المعنى الأنموذج عند العرب برغم أن الجاحظ من المتحيزين للشكل أكثر ذلك أن الشعر صناعة، وضرب من النسج من التصوير، وهو في هذا يؤكد نظريته في الشكل ويعطي ربوية له على المعنى الذي يراد أمرا مشتركا بين الناس لأن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي وإنما التفاضل يكمن في مقدرة الشاعر على تناوله و صياغته صياغة خاصة به متفردة عن غيره وتلك الصياغة تكمن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك.
ولعل سبب تقرير الجاحظ الأفضلية الشكل هو رفضه العملية ترجمة الشعر ومعارضته لها لم ينتج عنها من إفساد للشعر، فهو قوام وبنية متصلة تقوم على نظام معين من الأوزان والألفاظ، يبذل فيها الشاعر كل موهبته ويجود بقريحته وبما وهبه الله من طبع وجودة سبك وبعد كل هذا المخاض يترجم في الأخير في كلمات شرذمة جامدة جافة مفككة تبعد الشعر عن غايته وتجعله مجرد كلمات مبعثرة أكثر تقدير أنها تؤدي إلى فكرة عامة ربما يعرفها القاصي والداني مجردة من كل معالم الشعرية والجمالية التي هي جوهر الشعر وخاصته في الشعر لا يستطاع أن يترجم ولا يجوز عليه النقل ومتى حول تقطع نظمه وبطل وزنه، وذهب حسنه وسقط موضع التعجب، لا كالكلام المنثور، على الرغم من أن هناك فئة أخرى من الدارسين المعاصرين يصرون على ضرورة ترجمة الشعر المعرفة ثقافات الشعوب الأخرى ونقل أحاسيسهم ويلقون المسؤولية على عاتق المترجم في إجادته لذلك وهي في حقيقة الأمر مهمة شاقة قد تستعصي على الكثير منهم؛ إلا إذا كان مبدعا في مجاله إبداعاً منقطع النظير فيكون أعلم بما يترجمه وباللغة التي يترجم إليها، إضافة إلى أن يكون شاعرا متذوقا ومترجما في الآن نفسه وقد نوه إلى ذلك الجاحظ ورأى أن هذا لا ينطبق على جميع الآداب وقد نقلت كتب الهند، وترجمت حكم اليونانية وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسناً وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حولت حكمة العرب، لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن.
ولم يجد أبو هلال العسكري هو الآخر عن منحى الجاحظ بل سار عليه فكان من أنصار اللفظ هو أيضا يقول: ومن الدليل على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعاني فقط، لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها في الإفهام وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ورونق ألفاظه وجودة مطالعه وحسن مقاطعه وبديع مباديه وغريب مبانيه على فضل قائله وفهم منشئه، وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني، وتوخى صواب المعنى أحسن من توخى هذه الأمور في الألفاظ ولهذا تأنق الكاتب في الرسالة والخطيب في الخطبة والشاعر في القصيدة يبالغون في تجويدها ويغلون في ترتيبها ليدلوا على براعتهم وحذقهم بصناعتهم، ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كداً كثيرا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا.
والملاحظ في قوله أن العسكري لم يهمل ويقصي المعاني جملة إنما جعل اللفظفي المصاف الأوليليه بعد ذلك المعنى ففي كتابه : الصناعتين، لا تجد إشادة بتحسين اللفظ إلا وأتبعها بالإصابة في المعنى فجعل كل واحد منهما مقيدا بذاك غير أنه فصل بينهما وأعطى للفظ المرتبة الأولى وللمعنى
المرتبة الثانية فقال : ودليل آخر إن الكلام إذا كان لفظه حلواً عذباً، وسلساً سهلاً، ومعناه وسطاً دخل في جملة الجيد وجرى مع الرائع النادر كقول الشاعر:
ولما قضينا من منى كل حاجة.
ومسح بالأركان من هو ماسح.
وشدت على حدب المهارى رحالنا.
ولم ينظر الغادي الذي هو رائح.
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا.
وسالت بأعناق المطى الأباطح.
وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى وهى رائقة معجبة، وإنما هي: ولما قضينا الحج ومسحنا الأركان و شدت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا جعلنا نتحدث وتسير بنا الإبل في بطون الأودية، وإذا كان المعنى صوابا واللفظ باردا وفاترا، والفاتر شر من البارد كان مستهجنا ملفوظا، ومذموماً مردودا، والبارد من الشعر قول عمرو بن معدى يكرب
قد علمت سلمى وجاراتها.
ما قطر الفارس إلا أنا.
شككت بالرمح سرابيله.
والخيل تعدو زيما حولنا.
وبهذا تكون نظرة العسكري للفظ والمعنى نظرة مزدوجة انفصالية فترى اللفظ الجيد في طبقة والمعنى المتولد عنها في طبقة أخرى، وهو في هذا يبدي تأثره العميق بنظرية الجاحظ بالمقابل لا يمكن إنكار مجهداته التي أعطت للبلاغة العربية الكثير.
وقد كانت آراء الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، بمثابة ميراث لدى العسكري خاصة ما يتعلق بقضية اللفظ والمعنى التي عرفت الكثير من التضارب في الآراء بين طائفة أولت عناية للفظ وأخرى للمعنى، وهي نتيجة صراعات سابقة وليست بجديدة منها عصر الجاحظ كان يشهد بوادر حملة عنيفة يقوم بها النقاد لتبيان السرقة في المعان بين الشعراء ولا نستبعد أن يكون الجاحظ قد حاول الرد على هذا التيار مرتين مرة بأن لا يشغل نفسه بموضوع السرقات كما فعل معاصروه ومرة بأن يقرر أن الأفضلية للشكل لأن المعاني قدر مشترك بين الناس جميعا.
لكن بالمقابل نجد دعوة صريحة منه لالتماس اللفظ الشريف والطبع الصحيح غير المعقد وهو ما انتهجه رجال البيان والنقد والبلاغة من بعده كالذي جاء به أبو الهلال العسكري والذي ذكرناه آنفا، ويقول الجاحظ في قضية اللفظ والمعنى: فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً، وكان صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه، ومنزهاً عن الاختلال مصوناً عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.