0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)
يهمنا في بحثنا نظرية حازم في الشعر وآراءه في البلاغة ما يخدم هذا البحث ويتفاعل مع منهجه، من هنا تكون قضايا البحث في الشعر : حقيقته ووظيفته وأسس كل ذلك الممتدة إلى أصول فلسفية عامة، ونفسية خاصة، وكذا إجتماعية تؤطر للقيمة خارجاً عن حقل هذا البحث وإن كنا سنستغل من هذه المفاهيم ما يخدم غرضنا، ذلك أن جسر التحرك عندنا هو انتظام بنية النص في مستوياته المتعددة في وحدة متفاعلة أو متراكمة والقواعد المؤسسة لهذا التصور حيث تتفرع هذه المستويات من محوري التأسيس لكل قول وهما اللفظ والمعنى، من هنا يكون الإلمام بتصور حازم للفظ والمعنى في مستوى مبدئي ضرورة يفرضها البحث.

والواقع أن حازماً أسس كتابه انطلاقا من فكرته في اللفظ والمعنى ذلك أن أقسام الكتاب الأربعة ليست إلا ترداداً متكرراً للفظ والمعنى في مستوى بسيط أو مستوى مركب، فالقسم الأول الضائع من الكتاب يبحث في الألفاظ، ويختص الثاني بالمعاني ليتضخم بحث الألفاظ في قسم ثالث أسماه النظم ولتستحيل المعاني إلى قسم رابع مركب أيضاً هو الأسلوب، وتقسيم الكتاب بهذا الشكل بقدر ما يكشف عن أثر قدامة بن جعفر في ضبط شكله ظاهراً وقدامة حاضر في كثير من مباحث الكتاب بقدر ما يدل على المنطلق المؤسس لثنائية اللفظ والمعنى عند حازم، وتسليمه المبدئي بكون القصيدة تركيبا متناسبا من مستويات متنوعة ترتد إلى معان وأساليب مصوغة في ألفاظ تتلاحم في نظام جامع الشتات مركب من أغراض.

والأساس الفلسفي الذي يؤسس منهج الكتاب وتفريعات موضوعه ويحصر تصور حازم المعنى واللفظ يمتد إلى رأيه في الدلالة عموما وفي طابعها العائد إلى فلاسفة الإسلام حيث تترتب مستويات الدلالة في تدرج نوعي يبدأ من الوجود الشخصي العيني، فالذهني لتتقمص أثره المدلولات جسم الألفاظ، هذه المدلولات التي يمكنها في رأيه أن تستقر في رسم حروف تدل على ألفاظ ذلك أن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان، فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم، فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ، فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ من لم يتهيأ له سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ فتقوم بها، في الأذهان صور المعاني فيكون لها أيضا وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليها.

فعندما يتوفر للذهن إدراك الشيء، تكون محصلة الإدراك صورة ذهنية لما أدرك من هذا الشيء تنطبع في الذات المدركة حسب ملابسات الإدراك وحالاته وإذا كان حازم لا يشير هنا إلى ما يلحق الشيء المدرك من تأثر ذاتي فإن هذا لا يعني أن ما أدرك يحتفظ بخصوصيته في وجوده العيني من هنا لا يكون الإدراك إلا بتفاعل ذات وموضوع ولاشك أن صورة الشيء الذهنية التي يكون للفظ القدرة على رسمها عند التعبير ستتشكل طبيعتها بحسب صورة اللفظ الذي يمكنها من أن تغادر حدود الذات إلى فسحة الخطاب وليس من المستبعد أن رسم الخط للهيئة اللفظية الحاملة للمعنى يشكل في حد ذاته دلالة مرنة ستتعاطى كل ذات قراءتها وفق ما يحيط بالقراءة وتكوين الذات القارئة من عوامل، وعلى كل، فهذه المراتب تضبط مستويات البحث في البلاغة لدى حازم فوجود المعنى في الشيء خارج الذات الذي يمكن أن يشمل كل ما يدرك من الوقائع والحقائق والأشياء التي تشكل حدود القول الشعري يحدد أصل المعاني في وجودها الواقعي مما يمكن عند ممارسة النقد من مقابلة الشيء في تجسده الحقيقي، وفي تحولاته الشعرية مثلما يظهر في مبحث الممكن والواجب والممتنع وكذا رسم المعنى في حدوده الحقيقية وغيرها.

هذا المستوى يمثل المرجع للمعنى المستخلص ذهنيا ليستحيل أخيرا إلى تضام للمدلول الذهني مع صورته اللفظية الدالة ذلك أن النظر في صناعة البلاغة يتحدد من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيئته ودلالته ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس من حيث هيئاتها ودلالاتها على ما خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس.

فهذا الفصل الحاسم بين حقول البحث البلاغي لدى حازم يؤكد الأساس الواقعي للشعر المتجسد في أصله الحيوي، وفعاليته المتمثلة فيكونه خطابا يحمل إلى متلق حيث يشكل هذا الأخير حضورا رئيسيا في تصور حازم فعالية الشعر إذ تقوم على المنظور الوظيفي المتأتي من كون الشعر تخييلا وإيهاما بخطاب تتجسد خصوصيته في كونه تأثيرا في النفس، ومن هنا تشكل بنيته في مستوى أول استجابة للوظيفة المسندة إليه أساساً، هذا الفصل إذ فرضه التناول المنهجي لموضوعات البحث البلاغي والنقدي، حيث تتبدى في انسجام التوزيع الظاهري للموضوعات لفظاً ومعنى ونظماً وأسلوباً، والمفهوم الخفي للدلالة في وجود المعنى في اللفظ، وفي الصورة الذهنية القائمة على الوجود العيني يكشف عن فهم العلاقة اللفظ والمعنى ذي مستويات متشابكة لا يمتنع فيها مبدئيا التمييز بينهما وإن تحددت أوجه الاتصال والتلاحم بينهما في علاقات دقيقة ذلك أن بحث اللفظ في ذاته ومن جهة هيئته وموقعه من النفوس يقوم أيضاً على بحث دلالته على المعنى هذا المعنى الذي يتناول ضمن ما يتناول في مستوى صوره المتفرعة من أوجه التناسب بين أنماطه.

يقدم حازم في مستوى التمييز بين المعنى واللفظ فهماً بسيطاً لا يعدو أن يكون اجترارا لمفاهيم شائعة يبدو فيها اللفظ كالوعاء المحتوي للشيء فيصف رغبة الشعراء في رسم صورة لأحبابهم المقيمين في بيوت الشعر حيث يقصدون في الأقاويل التي يودعونها المعاني المخيلة لأحبابهم المقيمة في الأذهان صورا هي أمثلة لهم ولأحوالهم، أن تكون مرتبة ترتيبا يتنزل من جهة موقعه من السمع منزلة ترتيب أحويتهم وبيوتهم فيكون اشتمال الأقاويل على تلك المعاني مشتبها لاشتمال الأبيات المضروبة على من قصد تمثيله بها وأن تجعل تذكرة له، ويكون مابين المعنى والقول من الملابسة مثل ماكان بين الساكن والمسكن.

ويتأكد مفهوم الوعاء الذي يحتوي المعنى كالساكن والمسكن في موقفه من السرقات الذي ينحو فيه منحى تقليديا أيضاً حيث يظل المعنى في هذا الفهم ساكناً خاضعاً لتعدد الإخراج الذي لا يكاد يغير جوهره، ناهيك أنه يمكن أن تتفاوت عبارتان في الفصاحة وهما تعبران عن معنى واحد لم يستطع حازم في هذه المسألة أن يستفيد من عبد القاهر الذي أداه فهمه لصورة المعنى إلى رفض السرقات مبدئياً، باستثناء الاعتراف بهامش ضيق يظهر في الاحتذاء الذي يكون في الأسلوب الذي هو الطريقة في النظم ذلك أن كل معنى يصاغ في صورة ما يملك الخصوصية والتفرد ويشكل تفريعا من أصل الغرض.

يقسم حازم المعاني إلى مشترك شائع ونادر ومنعدم النظير وأوسط بينهما تبعا لارتسام درجة كل نوع من الفكر إذ إن من المعاني ما يوجد مرتسما في كل فكر، ومنه ما يرتسم في بعض الخواطر دون بعض، ومنه ما لا ارتسام له في خاطر وإنما يتهدى إليه بعض الأذهان في النادر من الأحيان، وينتفي ادعاء السرقة من النوع الأول إذ لا فضل فيه لأحد على أحد، إلا بحسن تأليف اللفظ فإذا تساوى تأليفا الشاعرين في ذلك فإنه يسمى الاشتراك، وإن فضلت فيه عبارة المتأخر عبارة المتقدم فذلك الاستحقاق لأنه استحق نسبة المعنى إليه بإجادة نظم العبارة عنه، هذا النوع الأول من المعاني المرتسمة في كل خاطر تبدو كالمكتملة وإدراكها يتم في حدود هذا الاكتمال، فهي ثابتة وارتسامها سواء في الخواطر، ومن هنا تكون مزية تعاطي هذه المعاني في تحسين تأليف اللفظ فقط وهذا التحسين المضاف إلى معنى منته إقرار بالتفاوت بين المعنى واللفظ حيث يتأكد هذا الإقرار في رأيه في القسم الثاني، وهي المعاني التي قلت في أنفسها أو بالإضافة إلى كثرة غيرها فماكان بهذه الصفة فلا تسامح في التعرض إلى شيء منه إلا بشروط منها أن يركب الشاعر على المعنى معنى آخر، ومنها أن يزيد عليه زيادة حسنة، ومنها أن ينقله إلى موضع أحق به من الموضع الذي هو فيه، ومن ذلك أن يقلبه ويسلك به ضد ما سلك الأول، ومن ذلك أن يركب عليه عبارة أحسن من الأولى.

لم يستطع حازم أن يوظف مفاهيمه في المحاكاة والتخييل باعتبارهما تناولاً خاصا للمعنى يتحقق في تشكيل نوعي لمادة تستوفي خصائصها في الصورة المشكلة لها، ولو اعتمد هذا الأصل الذي يقوم عليه فهمه للشعر لاستطاع أن يضبط فهما لتداول المعاني أنضج مما فعل، ولما تمادى في تمييزه بين المعنى واللفظ في تصوره للقسم الثالث النادر إذ يرى أن من أبرز المعنى النادر في عبارة أشرف من الأولى فقد قاسم الأول الفضل إذ الفضل هو اختراع المعنى للمتقدم، والفضل في تحسين العبارة للمتأخر، والقول الثاني الذي حسنت فيه العبارة بلا شك أفضل من الأول لأن المعنى لا يؤثر فيه التقدم ولا التأخر شيئاً وإنما ترجع فضيلة التقدم إلى القائل لا المقول فيه، فإن زاد المتأخر على المتقدم زيادة في المعنى مع تحسين اللفظ فقد استحق المعنى عليه، وهكذا يمكن للتمييز أن يتوزع بين سبق معنوي وتحسين لفظي منفصلين أو مجتمعين.

فتوزيع حازم مادة الكتاب وما يتصوره مبحثاً في الدلالة ورأيه في السرقات الشعرية ليست إلا أدلة لفكر يميّز المعنى عن اللفظ، ولاشك أن روافد حازم القرطاجني المتنوعة التي شملت محصلة نتائج النقاد والفلاسفة والمتكلمين قبله في حقل البلاغة والنقد، أدت دوراً حاسما في اعتماد هذا الموقف إلا أن هذا لا يطول كل إنجاز حازم، وبالتالي يظل له رأي في العلائق التي يمكن أن تجمع العنصرين فهناك اقتراب يكاد يلحمها في بنية تتضام فيها العناصر مجتمعة عندما يكون الموضوع رصداً لفعالية التناول اللفظي للمعنى، أو تفريع القول في أشكال التناسب التي تنسج للمعاني امتدادات متفرعة كثيرة خاصة عند الاقتراب من حدود النظم في معناه النحوي عند تعليل وحدة العبارة دون أن نغفل إلحاح حازم على أشكال التناسب بين مستويات القصيدة معاني وألفاظاً وأساليب ونظماً وأوزانا.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
اللفظ والمعنى عند حازم القرطاجني؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...