0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

النور الذي اتبعوه؟ 

النور الذي اتبعوه

ما كان حديثا يفتري ولا فتونا يتردّد، ذلك الحديث الذي روى به التاريخ أنباء ) أعظم ثلة ظهرت في دنيا العقيدة والإيمان. ذلك أن التاريخ الإنساني بطوله وبعرضه، لم يشهد من التوثيق والصدق وتحري الحقيقة ما شهدته تلك الحقبة من تاريخ الإسلام ورجاله السابقين، حيث توفر على دراستها وتتبع أنبائها جهد بشري خارق نهضت به أجيال متساوقة من علماء أفذاذ لم يدعوا من ذلك العصر الأول للإسلام ،همسة ولا خلجة إلا وضعوها تحت مجاهر غیر عادی إنها حقائق تشكل كل ما كان لأصحاب الرسول من شخصية وحياة ..، وإنها لتسمو وتتألق، لا بقدر ما يريد لها الكتاب والواصفون، بل بقدر ما أراد لها أصحابها وذووها، وبقدر ما بذلوا في سبيل التفوق والكمال من جهد خارق مبرور . ألا إن التاريخ لم يشهد رجالاً عقدوا عزمهم ونواياهم على غاية تناهت في العدالة والسمو، ثم نذروا لها حياتهم على نسق تناهى في الجسارة والتضحية والبذل كما شهد في أولئك الرجال حول الرسول لقد جاؤوا الحياة في أوانهم المرتقب، ويومهم الموعود .. فحين كانت الحياة تهيب بمن يجدد لقيمها الروحية شبابها وصوابها، جاء هؤلاء مع رسولهم الكريم مبشرين وناسكين .. وحين كانت تهيب بمن يضع عن البشرية الرازحة أغلالها، ويحرر وجودها ومصيرها، جاء هؤلاء وراء رسولهم العظيم ثواراً ومحرّرين .. وحين كانت تهيب بمن يستشرف للحضارة الإنسانية مطالع جديدة ورشيدة، جاء هؤلاء رواداً ومستشرفين. 

الفحص ، وأضواء الدراسة والنقد . صص فالعظمة الباهرة لأولئك الرجال الشاهقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست أساطير وإن بدت من فرط إعجازها كالأساطير كيف أنجز أولئك الأبرار كل هذا الذي أنجزوه في بضع سنين كيف شادوا. 

بقرآن الله وكلماته عالماً جديداً يهتز نَضرة، ويتألق عظمة، ويتفوق اقتداراً ..؟ وقبل هذا ،كله وفوق هذا كله .. كيف استطاعوا في مثل سرعة الضوء أن يضيئوا الحقة تتمثل في تلك القدرة تلك معجزتهم ! هي عن أجل ، إن الضمير الإنساني بحقيقة التوحيد، ويكنسوا منه إلى الأبد وثنية القرون ..؟ الحقة .. وأيضاً فإن معجزتهما النفسية الهائلة التي صاغوا بها فضائلهم واعتصموا بإيمانهم على نحو يَجلُّ عن النظير .. على أن كل معجزاتهم التي حققوها لم تكن سوى انعكاس متواضع للمعجزة الكبرى التي أهلت على الدنيا يوم أذن الله لقرآنه الكريم أن يتنزل، ولرسوله الأمين أن يبلغ، ولموكب الإسلام أن يبدأ على طريق النور خُطاه ... معجزاتهم لم تكن شيئاً سوى النور الذي اتبعوه ... فلي معلم كان .. وأيُّ إنسان .. هذا المترَعُ عَظَمة، وأمانة وسموا ..؟ ألا إن الذين بهرتهم عظمته لمعذورون .. وإن الذين افتدوه بأرواحهم لهم الرابحون ..! ابن عبد الله محمد .. رسول الله إلى الناس في قيظ الحياة . أي سر توفّر له فجعل منه إنساناً يشرف بني الإنسان ؟ وبأية يد طولى بسطها شطر السماء، فإذا كل أبواب رحمتها ونعمتها وهداها مفتوحة على الرحاب ..؟ لقد آتاه الله من أَنْعُمه بالقدر الذي يجعله أهلا لحمل رايته، والتحدث باسمه بل ويجعله أهلاً لأن يكون خاتم رسله .. ومن ثَم كان فضل الله عليه عظيماً ومهما تَتَبارَ القرائح والأفهام والأقلام متحدثة عنه، عازفة أناشيد عظمته . ، فستظل جميعاً كان لم تبرح مكانها، ولم تحرك بالقول لسانها وحسبنا – إذن – أن نبصر في ضوء شعاع من ضيائه الغامر بعض سمات عظمته النادرة التي نادت إليه ولاء المؤمنين. 

وجعلتهم يرون فيه الهدف والطريق والمعلم والصديق ما الذي جعل بعض سادة قومه يسارعون إلى كلماته ودينه مُتَخَلينَ بهذه المسارعة المؤمنة عن كل ما كان يحيطهم به قومهم من مجد وجاه، مستقبلين - في الوقت نفسه - حياة تَمور موراً شديداً بالأعباء، وبالصعاب، وبالصراع.

ما الذي جعل ضعفاء قومه يلوذون بحماه، ويهرعون إلى رايته ودعوته، وهم يبصرونه أعزل من المال ومن السلاح ينزل به الأذى، ويطارده الشر في تحد رهيب. 

دون أن يملك عليه الصلاة والسلام له دفعاً ..! ما الذي جعل المؤمنين به يزيدون ولا ينقصون، وهو الذي يهتف فيهم صباح مساء : ( لا أملك لكم نفعاً ، ولا ضراً .. ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم ؟ ما الذي جعلهم يصدقون أن الدنيا ستفتح عليهم أقطارها، وأن أقدامهم ستخوض خوضاً في ذهب العالم وتيجانه وأن هذا القرآن الذي يتلونه في استخفاء، ستردده الآفاق عالي الصدح قوي الرنين، لا في جيلهم فحسب، ولا في جزيرتهم فحسب .. بل عبر جميع الزمان وجميع المكان ؟! ما الذي ملأ قلوبهم يقيناً وعزماً .. ؟ إنّهُ ابن عبد الله محمد .. ومن لكل هذا سواه ؟ لقد رأوا رأي العين كل فضائله ومزاياه . رأوا ظهره، وعفته، وأمانته واستقامته، وشجاعته. رأوا سموه وحنانه رأوا كل هذا وأضعاف هذا لا من وراء قناع، بل مواجهة ،وتمرساً وبصراً وبصيرة .. هؤلاء رأوا ( محمداً وعاصروه منذ أهَلَّ على الوجود وليداً، لم تخف عليهم من حياته خافية؛ فقد كانت حياته واضحة مقروءة من المهد إلى الممات . هذا - فيما نحسب - كان منطلق المؤمنين الأوائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين منهم، والذين آووا ونصروا ولقد كان منطلقاً حاسماً وسريعاً، ليس للتردد ولا للتلكؤ معه سبيل، فإنسان له كل هذه الحياة المضيئة الطاهرة، لا يمكن أن يكذب على الله. 

بهذه البصيرة النافذة، رأى أولئك المؤمنون نور الله فاتبعوه ولسوف يحمدون بصيرتهم هذه عندما يرون - فيما بعد - رسول الله ينصره ،ربه وتدين له الجزيرة كلها ويفتح عليهم من أبواب الرزق والغنائم ما لم يكونوا يحتسبون فإذا هو ا لا يزداد إلا زهداً، وتقشفاً، وورعاً، حتى يلقى ربه حين يلقاه ، وهو نائم فوق حصير تترك أعواده الجسد انطباعاتها الضاغطة وحين يرونه - وهو الرسول الذي تملأ راياته الأفق عزيزة ظافرة - يصعد المنبر ويستقبل الناس باكياً وهو يقول : « من كنت جلدت له ظهراً، فهذا ظهري فلْيَقْتَدُ كنتُ أخذتُ له مالاً ، فهذا مالي فليأخذ منه ) وحين يرونه، وعمه العباس منه. 

ومن يسأله أن يوليه عملا من تلك الأعمال التى ظفر بها كثير من المسلمين العاديين أحداً يسأله، أو أحداً فيصرفه في رفق قائلاً له : « إِنَّا - والله يا عَم - لا نُوَلي هذا الأمر يحرص عليه، وحين يرونه لا يشارك الناس ما ينزل بهم من خَصَاصَة فحسب، بل يضع لنفسه ولاهل بيته مبدأ لا يحيدون عنه، هو : « أن يكونوا أول من يجوع إذا جاع وآخر من يشبع إذا شبع الناس». أجل، سيزداد المؤمنون الأوائل حمداً لبصيرتهم التي أحسنت رؤية الأمور في إقبالها، بعد أن يزدادوا حمداً وشكراً لله الذي هداهم للإيمان. 

وسيرون أن الحياة التي كانت خير برهان على صدق صاحبها حين قال لهم : «إني رسول الله إليكم كانت عظيمة حقاً، وكانت بعظمتها وطهرها خير برهان على صدق المعلم العظيم والرسول الكريم، فإنَّ مستواها من العظمة والتفوق لم يهبط لحظة، ولم يتعثر، بل ظل كما هو من المهد إلى الممات. 

حتى وعبر هذه الحياة ، وبعد بلوغها ،قمتها، تبين كضوء النهار أن صاحب هذه الحياة وهذه الرسالة، لم يكن يسعى إلى جاه ولا مال ولا سيادة. فحين جاءته كل هذه معقودة بألويته الظافرة رفضها جميعاً وعاش حياته اللحظة الأخيرة، الأواب المتبتل لم تتخلّف نفسه عن أغراض حياته العظمى قيد شعرة ولم يخلف موعده مع الله في عبادة ولا في جهاد فلا يكاد النصف الأخير من الليل يبدأ حتى ينهض. 

قائماً، فيتوضأ، ويظل كما اعتاد أبداً يناجي ربه ويبكي ويصلي ويبكي تراكمت الأموال بين يديه تلالاً، فلم يتغير، ولم يأخذ منها إلا مثلما يأخذ أقل المسلمين شأناً وأكثرهم فقراً ثم مات ودرعه مرهونة ودانت البلاد كلها لدعوته، ووقف أكثر ملوك الأرض أمام رسائله التي دعاهم بها إلى الإسلام وجلين ضارعين. 

فما استطاعت ذرة من زَهْو وكبر أن تمر به ولو على بعد فراسخ وحين رأى بعض القادمين عاليا في الاستالونه في اضطراب ووَجَل قال لهم ( هونوا عليكم، إن أمي كانت تأكل القديد بمكة ألقى كل أعداء دينه السلاح، ومدوا إليه أعناقهم ليحكم فيها بما يرى بينما عشرة آلاف سيف تتوهج يوما مكة في أيدي المسلمين فلم يزد على أن قال لهم : ( اذهبوا ، فأنتم الطلقاء ). 

حتى حقه في رؤية النصر الذي أفنى في سبيله حياته، حرم نفسه منه؛ فقد سار في موكب نصره يوم الفتح، حانياً رأسه حتى تعذر على الناس رؤية وجهه، مردداً بينه وبين نفسه ابتهالات الشكر المبللة بدمعه رافعاً إياها في حياء، إلى ربه العلي الكبير إنَّ ثباته على الحق، وصموده مع الرسالة، وصبره على الهول في سبيل الله، لا في سبيل نفسه أو نفعه كل ذلك كان حَريَّاً أن يبهر العقول الذكية ويوقظ العقول الحية، فتتبع النور الذي يناديها، وتسارع إلى الأمين الصادق الذي جاء يطهرها، ويهديها . هذا هو معلم البشر، وخاتم الأنبياء، هذا هو النور الذي رآه الناس وهو يحيا بينهم بَشَراً ثم رآه العالم بعد رحيله عن الحضار الدنيا، حقيقة وذكراً. 

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
صنعاء في ذاكرة أديب؟

كان الوقت صيفاً عندما دخلتها لأول مرة طفلاً في السادسة وعلى ظهر أحد الجمال التي تحمل - بالإضافة إلى أفراد الأسرة - أثاث المنزل القروي من فُرش وسجايد محلية مصنوعة من صوف الماعز، لم يكن الطفل الذي كُنتُه - يؤمئذ يعي معنى الفصول، أو يدرك أسماءها، لكنه يتذكر الآن أن البطيخ بقشرته الخضراء وجوفه الأحمر الذي لم يسبق أن رآه أو ذاقه في قريته - كان أول فاكهة قدمت للعائلة القادمة من الريف، وهي - في ذلك الحين - فاكهة صيفية قبل أن تنتشر وسائل المواصلات، وتستقبل العاصمة منتجات المحافظات ذات المناخات المختلفة . الإشارة تستدعي القول أن صنعاء - رغم تمايز فصولها الأربعة - ذات مناخ معتدل جميل، تقترب درجة حرارة الشمس في نهارها الشتوي من درجة حرارتها في الصيف، وربما تقل صيفاً بسبب الغيوم والأمطار التي تهطل كثيراً في شهور الصيف . إن المدقق في جغرافية المكان يلحظ أنَّ صنعاء تقع في محيط هو الأعلى في كل الجزيرة العربية، كما أنَّها مبنيّة على هضبة ترتفع عن الوديان التي تحيط بها، وأنَّ الزائر عندما يدخلها من أي الجهات يشعر أنَّه يعلو لا سيما حين يكون قادماً من جهة الجنوب، ولا يصل إليها إلا بعد أن يتسلق الجبال والآكام، ومتى دخلها يشعر أنَّه اقترب من السماء، وأنَّ في إمكانه إذا ما صعد أحد الجبال المحيطة بها أن يلمس السماء بيده.

وأزعم أن كل ما في اللغة من مفردات وما في الكتب من عبارات لا تستطيع أن ترسم أبعاد الدهشة التي تملكتني عند رؤية صنعاء عن قُرب، وهي مغمورة بشمس الظهيرة، وما يتدفق على واجهات المنازل من كميات الضوء. لحظتها كانت المآذنُ المستقيمة البيضاء، ونوافذ البيوت المَطْلِيَّة بخُص يُشبه الفضة في أزهى حال من التوهج واللمعان.

لن أتكلم كثيرا عن صنعاء الحديثة، المدينة التي أكلت الحقول و المحيطة بها، والتي لا تزال تتمدد وتترهل، بل سأكتفي بالكلام عن صنعاء القديمة مدينتي الصغيرة النائمة خلف سورها الطيني العتيق والمحمية بـ ( غيمان )، الجبل المطل عليها من الشرق الذي اعتدى الأحباش على اسمه القديم، واختاروا له اسما آخر هو « نقم ) وإذا كنا لا نمتلك من الشواهد ما يكفي لإثبات التسمية القديمة غيمان ) فإنَّ الدليل التاريخي الوحيد أنَّ الأحباش هم الذين أطلقوا عليه اسم الحالي؛ انتقاماً منه.

فقد كانت كهوفه مأوى للمقاومة الوطنية التي أرهقت ذلك الاحتلال. وتحيط بصنعاء سلسلة من الجبال العالية والمنخفضة، لكن نقماً أو غيمان يظل أبرزها وأهمها بوصفه الحارس التاريخي الذي يحتوي صنعاء من جهة الشرق، ويبدو في مكانه - بعد أن تَجَعدَت ملامحه كشيخ عجوز يحنو على أبنائه وأحفاده، ويدفع عنهم غائلة كل الغزاة وأطماع المعتدين.

بعد أيام من استقرار العائلة في منزل صنعاني لا تختلف مواصفاته عن بقية المنازل التي يقف إلى جوارها، أو يتداخل معها في اصطفاف أو تلاصق فريد، بدأ شَغَفٌ غامض يقودني يومياً إلى سطح هذا المنزل كلما جاء ضيوف، أو انشغل أفراد العائلة الخاصة لأمارس دهشتي الطفولية، يَشُدَّنِي منظر المآذن وسطوح بعض البيوت العالية، وتثيرني الجبال المحيطة بالمدينة من قرب أو من بعد . لم يكن صعودي إلى السطح يرتبط بوقت معين. وإن كان وقت الظهيرة المشبع بالضوء هو الوقت الأكثر إثارة، كما أن لوقت الغروب أيضاً إثارته الخاصة عندما يبدأ اللون البنفسجي يَلْفُ المدينة، وتبدأ السحب البيضاء تأوي إلى ما وراء الجبال بشؤونهم وفي زمن لاحق، حين اكتمل الوعي بجمال المكان وبهاء العمارة، وأخذ الشعر يقود الشعور للإحساس ببساطة صنعاء وعمق جمالها، اختزنت الذاكرة والبصر ما تزخر به المدينة من شَوَاخصَ ثَرِيَّة، فهنا حفرة ( القُليس) التي يقال : إنَّها بقايا الكنيسة التي بناها أبرهة، وهنا مسجد ( أروى) الذي يعود تاريخه إلى العام السادس الهجري الموافق ٦٢٧م . وهناك الحمامات التي تسمى بالتركية وهي عربية الأصل، ولا تزال مستخدمة فيها أيام خاصة للرجال وأخرى للنساء وكلما ضاقت أزقة صنعاء القديمة انبثقت ساحة واسعة مخططة بحساب لتخدم البيوت المحيطة بها، بينما يُطل عليك من وراء كل مجموعة من الأزقّة بستان صغير يسمى بـ ( المقْشَامَة ) يُسْقَى من مياه المسجد، ويستفيد من زرعه الجميع. ولعل سحر الإضاءة في البيت الصنعاني يتجلى بشكل معاكس؛ ففي النهار يستمتع الجالس داخل البيت بضوء ملون تنته النوافذ المصممة بشكل هلالي، وبقطع متعددة الألوان من الزجاج، أما في الليل فيكون الضوء الساحر الملون تحت نظر المارة الذين يرون النوافذ من الخارج، ومن العجيب أنَّ النوافذ المخرمة، أو المشربيَّات ) التي يستعمل بعضها كثلاجات طبيعية لتبريد الماء ) تَسْتَدقُ وتَصْغُرُ حتى يكون بعضها مثل الشَّاقُوص نافذة بحجم الكف لتنقية الهواء.

حين أعود بذاكرتي إلى الماضي في محاولة لاسترجاع علاقتي بصنعاء تتراءى لي هذه المدينة من خلال ثلاث حالات من الدهشة الحالة الأولى : هي تلك التي ارتبطت باللقاء الأول، وقد تم الحديث عنها في القسم الأول من هذه المقالة، أما الحالة الثانية : فكانت عند عودتي إليها في أواخر الخمسينيات بعد غياب دام سبعة أعوام، وأذكر أنني رجعت إليها ذات مساء، كانت نائمة تحت عباءة الليل، وقد حالَ سُورها الطيني بيني وبينها إلى ما بعد مطلع الفجر، وانفتاح الأبواب التي كان قانون الخوف على المدينة وأهلها يقضي بإغلاقها من قبل الغروب إلى ما قبل الشروق - وفي هذه العودة انتعشت ذكريات الطفولة مُجدداً، وخرجت من مخابئ الذاكرة، ولما كنتُ قد بدأتُ كتابة الشعر، فقد زادت علاقتي بالطبيعة وبالمدينة إعجاباً وحميمية، فاخترت رابية تقع في الجهة الشرقية من المدينة تسمى ( ظهر حِميرٌ ) لكي أستوعب من هناك منظر المدينة وما تَحْشُده من جماليات المكان بأقسامه الثلاثة، كما كان الستينيات القسم الأول، وحَيّزه المكاني صنعاء القديمة بحاراتها ومساجدها وبساتينها وأسواقها، والقسم الثاني يضم باب السَّبِّح وبئر العزب بحدائقه الواسعة، وقصوره القليلة، والقسم الثالث يشمل منطقة «القاع ) التي كانت تتألف . الخاصة باليهود قبل أن يرحلوا عن البلاد، ويبيعوا منازلهم وممتلكاتهم كاملة كنت حتى منتصف الأحياء.

أستطيع - من فوق تلك الرابية - أن أحدد أماكن الأبوا السبعة للمدينة، ة، وهي: باب شعوب في الجزء الشمالي، يقابله باب اليمن في الجزء الجنوبي، ثم باب الشقاديف في وسط المدينة شمالاً، يقابله باب السبح جنوبا، وباب الروم في الجزء الشمالي عند نهاية المدينة غرباً، يقابله باب البَلَقَة جنوباً، ثم باب « القاع، المفتون على الجهة الغربية. وهناك باب آخر اسمه باب » استران ) ومعناه الباب المستور حين أنه ليس كذلك، ويقع في شرق ويحسبه بعض الناس أنه من أبواب المدينة في قلعة غمدان التي أصبحت في العهد العثماني قصراً للسلاح. وهذا الباب مغلق، وخاص بالقلعة، ولا يُعد من أبواب المدينة، ولم يفتح في تاريخ اليمن الحديث سوى مرة واحدة عندما اتخذ الإمام الشهيد عبد الله الوزير القلعة مقراً لحكمه الذي لم يدم سوى ثلاثة أسابيع. المدينة، ويتبع من الدهشة والحسرة - تعود إلى أواخر السبعينيات الحالة الثالثة وهي خليط عندما رجعت من القاهرة بعد غياب دام اثني عشر عاماً. كانت المدينة قد بدأت في الترهل، إن لم تكن قد ترهلت فعلاً، ولأني اخترت الإقامة في حي ( جديد ) فقد صدمني كل شيء فيه، وحزنت أشد الحزن لانتشار بيوت الإسمنت وما تتركه من ملامح المدينة الهجين. لقد تَبَدَّدت الصورة المرسومة في الذاكرة لصنعاء، وتكسرت أمام عيني، ولم يبق في هذه الأحياء الجديدة سوى شوارع مكتظة بالناس، وهذه الشوارع في الوقت نفسه أسواق نَافِرَة ومُنَفّرَة؛ يجتمع فيها بائع الذهب والمجوهرات ببائع الفحم والأحذية، وبائع العطور ببائع اللحم والسمك . أين هذا التنافر البغيض من صنعاء الذاكرة، حيث الأسواق المستقلة البعيدة عن ا الأحياء السكنية، وحيث يوجد سوق خاص لكل سلعة ؟ فهناك سوق للزبيب، وسوق للفضة وسوق للقماش وآخر للعطارة، وأسواق للحدادة والنجارة والصناعات الحرفية.

إحساس فظيع بالتشويه الذي أصاب المدينة، بيوت الإسمنت الباهتة بدلاً عن البيوت التي تتعانق فيها الأحجار بالآجر . والبناء العشوائي يزحف تماماً على الحدائق والبساتين بعد أن التهم كل الأراضي الزراعية، التي كانت تحيط بالمدينة، وتم ا نهائياً على الينابيع المائية التي كانت تسقي جزءاً من المدينة، وتخترقها متجهة إلى الضواحي الشمالية الغنية بالأشجار ، وخاصة أشجار الورد . لكن القوة المدمرة لم تكن قد اقتربت من المدينة القديمة من صنعاء الصغيرة، وعندما ذهبت لزيارة منزلنا القديم وجدت الأحياء لم تتغير، والأسواق كذلك، وحتى الناس لا يزالون يعيشون في سكينة وهدوء يحبون بعضهم، ويتعاطفون في السراء والضراء، وهذا ما جعلني دائم الحنين إلى السير فيها والتنقل في أحيائها وكأنني أكتشفها لأول مرة . لقد تقادم الدهر بصنعاء القديمة، لكنها لا تزال تقف في وجه الزمن حتى اليوم بمعمارها وجمالها الطبيعي، تتحدى صنعاء الجديدة، وتزهو بمنازلها التي كلما تَصَدَّعت أحجارها ، وبَهَت لون ،آجرها، أو اختفى زادت جمالاً ونقاء، وزاد عدد عشاقها، وتكاثرت أسراب السياح المفتونين بالطابع المعماري العريق، والحالمين بفنادقها التقليدية المُسَمَّاه بالسَّمَاسر، ليذوقوا لحظات الراحة في مدينة لا يتسلل إليها الخوف وليس فيها مخابئ ولا حَوَارٍ سِرِّيَّةٌ كبعض المدن القديمة فهي واضحة شفافة، مايكاد يختفي قنديل النهار ( الشمس ) حتى تضيء قناديلها الليلية الصغيرة التي تطل من وراء العقود الزجاجية الملونة، فتبعث الراحة والأمن إلى نفوس المارة، وهُوَاة النزهة المسائية في شوارع لا تعرف الانكماش، أو التمدد بفعل البرودة والحرارة.

وحين تُوَاربُ النساء النوافذ الخشبية صباحا، تدخل الريح بنعومة عبر شقوق هذه النوافذ، ويسترجع الناس صدى أغنيات كأنّها قادمة من الماضي البعيد، ويصغون إلى موسيقى مُترَعَة بالشَّجن العميق، وبَقَايَا حكايات ترجع في أصولها إلى أقدم الأزمان ومن المؤكد أنّه ليس للجمال شكل ثابت متفق عليه، ولا هيئة خاصة، وإنما لكل. إنسان ذوقه الخاص بتحديد أبعاد الجمال هكذا يقولون، لكن الجمال الذي تتمتع به هذه المدينة يؤكد أنَّ هناك قاسماً مشتركا تلتقي عنده نواميس الحواس الحقيقية. وإذا كان لكل جمال أسراره الخاصة، فإن البساطة سر الأسرار في جمال هذه المدينة هي البديعة التي تجمع بين سحر الواقع وجمال الأسطورة.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل يونيو 30، 2023 في تصنيف أخبار بواسطة أثير الثقافة (4.2مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...