التعريف بالشاعرة؟
ولدت فدوى طوقان سنة ۱۹۱٧م في مدينة نابلس بفلسطين في بيت أدب علم فقد كان أخوها إبراهيم طوقان شاعراً تعهد أخته بالرعاية والتثقيف تلقت فدوى دراستها الأولى في نابلس ولم تسمح لها ظروفها الاجتماعية بإتمام تعليمها الجامعي في الخارج برز اسمها بوصفها شاعرة في الأوساط الأدبية حين رثت أخاها إبراهيم الذي مات في ريعان شبابه وفجر موته في قلبها ينبوع ألم لا ينطفئ وكان موت أخيها الدافع الأول لتجربتها الشعرية وسبباً في وصف بعض النقاد لها بخنساء القرن العشرين نظمت في أغراض شعرية مختلفة لا سيما الرثاء والوطنيات والتعبير عن روحها الحائرة وأنات قلبها الحزين المغلف بوشاح الألم أما الرافد الثاني الذي شكل معيناً لا ينضب لتجربتها الشعرية فهو النكبة التي حلت بوطنها فلسطين ومثلت وجداناً دامياً في كيانها نظمت الشعر العمودي ذا النزعة الرومانسية كما يظهر ذلك من من ديوانها وحدي مع الأيام و وجدتها وفي مرحلة ثانية اتسم شعرها بالرمزية والواقعية وغلبة الشعر الحر مواكبة لشعراء الأرض المحتلة محمود درويش وسميح القاسم توفيق زياد همسات بعد هزيمة ١٩٦٧م والنص الآتي من قصيدة بعنوان لن أبكي قالتها الشاعرة عام ١٩٦٨م عندما التقت شعراء الأرض المحتلة في مدينة حيفا وهي إحدى قـصـائد ديوان الليل والفرسان.
معاني المفردات اللغوية؟
تنعي : تنقل خبر الوفاة ، أنّ : من الأنين بمعنى تأوه وصوت من الساكنون المقيمون ، أقبس : آخذ.
إضاءة؟
في النص فكرتان رئيستان هما الوقوف على أطلال مدينة يافا والبكاء على ما حل بها من دمار ورفض البكاء والثورة على واقع الاحتلال تتحدث الشاعرة عن مأساة وطن وتشريد شعب وضياع هوية وانطلاق ثورة وهي معان سياسية ووطنية تناولها الشعراء في العصر الحديث تقول في المقطع الأول وجدت يافا محطمة مردومة تبعث على الأسى والحسرة بعد أن هجرها أهلها وتركوا تحت أنقاضها إرثاً عربياً إنسانياً فقلت لعيني قفا نبك على أطلال من كانوا هنا ورحلوا بسبب العصابات الصهيونية فقلبي يئن من الألم لما وصل إليه حال المدينة التي يبدو أنها قد أضاعت الحلم والمستقبل وفي المقطع الثاني تجد الشاعرة في الشعراء الذين التقتهم جذوة لا تنطفئ وحماسة لا تخبو ونوراً يضيء جنبات نفسها الحزينة تقول مسحت يا أحبائي الشعراء دمعي لأواجهكم بالحب والعزم لأنه من المخجل أن أقابلكم ضعيفة باكية أجدني أمامكم آخذ من قوتكم وعزمكم وطاقتكم أمد يدي مع أيديكم ومع رؤوسكم رأسي مرفوع نحو الشمس إنكم أقوياء كالصخر ومن هذا التراب تصعدون كالزهر وتترك الشاعرة الضعف والبكاء إلى الثورة والتحدي والتفاؤل.
تحليل وتذوق؟
تنقلنا الشاعرة من السبب الذي فجر في نفسها الحزن والأسى وهو مشاهد الدور المحطمة والخرائب إلى النتيجة التي توصلت إليها بعد لقائها الحافل بإخوانها الشعراء في الأرض المحتلة وأثر هذا اللقاء في خلق معاني الصمود والتحدي والثورة في نفسها وتكمن قيمة النص في تجاوز الشاعرة ذاتها الضعيفة والإيمان بقيم البطولة كعمل جماعي لشعب يرسف بالأغلال لكنه يتحدى ممارسات العدو الصهيوني اليومية في سلب الأرض وطمس الهوية الوطنية فيقف محارباً وثائراً وقد أوجدت الشاعرة علاقة حميمة بين الأرض وأبنائها فالدار والأرض والإنسان عندها هي المركز الذي تشع منه الدلالات والدار لديها ليس كياناً مادياً جامداً بل بي جسد وروح وفدوى طوقان مغرمة بالأرض والدوران في فلكها وعشق ما عليها من إنسان وأطلال وجبال وأزهار وتتضح في هذا النص سمات الشعر الحر في الألفاظ من حيث مجيئها سهلة معبرة عن هدف الشاعرة فجو الوحشة والخراب في المقطع الأول أبرزته الألفاظ فوضى وحطام والدور والشوك وأطلال تنعي وفي المقطع الثاني تطالعنا الفاظ مشرقة مفعمة بالأمل مثل نور والحب والإيمان وأحبائي ومصابيح وزهر ومن الألفاظ الغنية بالإيحاء قولها و مصابيح الدُّجى الذي يملأ النفس بالأمل في زوال ليل الظلم والاحتلال وقولها يسحقني يوحي بالانكسار أما عبارة في عيني نور الحب والإيمان فإنها توحي بالتفاؤل والأمل في تحقيق الحرية وقد لجأت الشاعرة إلى استخدام الرمز دون مبالغة مثل قولها يا مصابيح الدجى رمز لشعراء المقاومة الشمس رمز للحرية والنور الدمع الرمادي رمز للحزن والحسرة وتنوعت الأساليب في النص بين الخبر والإنشاء فقد غلب الأسلوب الخبري في النص من أجل إظهار مشاعر الفرح والأمل والاعتراف بالسبق والريادة لشعراء المقاومة أما الأساليب الإنشائية فهي الاستفهامات ما فعلت بك الأيام يا دار لإظهار الألم والإيحاء بالخراب أين الحلم والآتي للإيحاء بالضياع فكيف الجرح يسحقني للإيحاء بالرفض والتحدي وهناك النداء في قولها يا أحبائي لإظهار الود والحب يا مصابيح الدجى لإظهار الإعجاب والتقدير كما أن هناك الأمر قفا نبك لإفادة الحزن والأسى الأخرى المستخدمة التقديم والتأخير فقدمت ما حقه التأخير ومن أساليب التعبير لتحقيق التركيز وإثارة الاهتمام بثنائية المكان والإنسان هنا كانوا هنا حلموا هنا رسموا مشاريع الغد الآتي وفيما يسمى التناص ضمنت الشاعرة بعض المعاني والتراكيب من التراث الأدبي بسقط اللوى بين الدخول فحومل منها قفا نبك من معلقة امرئ القيس قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ما فعلت بك الأيام يا دار من قصيدة أبي نواس یا دار ما فعلت بك الأيام ضامتك والأيام ليس تضـــــام وهذا التضمين يضاعف من إيحاء الكلمة والعبارة لما يثيره في نفس المستمع معان تراثية قادرة على تحريك المشاعر والتصوير لدى فدوى طوقان يتكئ على الصورة الممتدة الحافلة بالظلال والألوان ففي المقطع الأول ترسم لنا الشاعرة صورة حزينة للخرائب الموحشة والدور المحطمة والأهل الذين تركوا الديار وبرحيلهم ضاعت أحلامهم ومشاريع المستقبل التي لم تتحقق وفي المقطع الثاني تضعنا الشاعرة أمام صورة شعرية جديدة مختلفة عن الصورة الأولى ملامحها اللقاء البهيج بالشعراء الصامدين وإحياء الأمل بغد مشرق ونلمح هذه الصورة في اليد التي تمتد لأخذ الجذوة وتتكاتف مع الأيدي الأخرى في لقاء التحدي والصمود وفي حركة العيون تتطلع إلى الشمس وفي لون ضوء المصابيح وقطرة الزيت وضياء الشمس وألوان الجبال والأزهار وصوت نسمعه في النداء وحطام الدار إن الصورة لدى الشاعرة تحمل الفكرة والعاطفة توقظ النقمة والتمرد والثورة فالنص وحدة متكاملة خیال وفي إطار الصورة الكلية تتابعت الصور الجزئية حافلة بالإيحاء تنبئ عن يقظ فعيناها صديقان تطلب منهما أن يشاركاها البكاء والدار تنادي أصحابها والقلب إنسان باك متفجع كل ذلك على سبيل الاستعارة المكنية ومن التشبيهات المبتكرة التشبيه الموحي بالحزن تشبيه الدمع بالضباب الرمادي والتشبيه ها أنتم كصخر بلادنا يوحي بثبات شعراء الأرض المحتلة والموسيقى الخارجية في النص ممثلة بالوزن والقافية وقد تآزرت الموسيقى الخارجية مع صور الشاعرة وألفاظها ومع الموسيقى الداخلية المتمثلة بتكرار الكلمات والعبارات الشعرية وتوالي أساليب الاستفهام ودلالات الكلمات وإيقاعها وشيوع بعض حروف الجهر والاستعلاء ولقد اختتمت الشاعرة القصيدة بجواب القسم لن أبكي وجعلته عنواناً فجاء موفقاً لما فيه من إيحاء بعنفوان التحدي والصمود كطريق وجدته الشاعرة بعد ألم الضعف والبكاء.