حضارة ومجد؟
التعريف بالشاعر؟
ولد محمود غنيم في محافظة المنوفية في مصر سنة ۱۹۰۲م تعلم في مدرسة قريته وحفظ القرآن الكريم وهو في الثالثة عشرة من عمره التحق بالمعهد الأحمدي بطنطا سنة ۱۹١٥م ثم بمدرسة القضاء الشرعي وأتم دراسته بالمعاهد الدينية سنة ١٩٢٤م عين بعدها مدرسا في المدارس الأولية عام ۱۹۲٥م ثم التحق بدار العلوم وتخرج فيها عام ۱۹۲۹م عين عقب ذلك مدرساً بمدرسة البحيرة وفي هذه الفترة نظم أعذب قصائده وفي عام ۱۹۳۸م نقل إلى القاهرة وعين مدرسا في مدرسة الأورمان وفي القاهرة اتصل بالشعراء والأدباء ودور النشر والصحف والمجلات ونشر إنتاجه الأدبي من خلالها ترقى بعدها إلى مفتش أول للغة العربية ثم عميداً لها بوزارة التربية والتعليم اختير عضواً في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ونال جائزة الدولة التشجيعية للشعر على ديوانه في ظلال الثورة ونال كذلك جائزة من المجمع اللغوي على ديوانه صرخة في واد وله العديد من المؤلفات وفي عام ۱۹۷۲م ودع الشاعر الكبير الحياة عن عمر بلغ سبعين عاماً وكان في طليعة الشعراء أصالة وصدقاً والتزاماً وهو من جيل الأعلام في الشعر العربي المعاصر نظم الشعر في أغراض كثيرة في الأحداث الوطنية وفي حضارة الإسلام وأمجاده وفي الموضوعات الاجتماعية وفي وصف الطبيعة وتصوير حياة الريف.
مناسبة النص؟
زار الشاعر بلاد الأندلس وشاهد عن كثب آثار المسلمين الخالدة كما زار العراق والشام ورأى أمجاد العرب والمسلمين التاريخية التي خلفها الأجداد وفي المقابل نظر إلى واقع العرب والمسلمين القاسي المرير وما آلت إليه أحوالهم في ظل الاحتلال والتآمر على مقدساتهم وخيراتهم فأثار ذلك عواطفه الجياشة فنظم هذه القصيدة من بحر البسيط اخترنا منها هذا النص.
معاني المفردات والتراكيب اللغوية؟
مؤرقة الأرق السهر وذهاب النوم بالليل التليد القديم الأصيل ويح كلمة ترحم وتوجع تتوارى تتخفى وتنكمش تكلوها تحفظها وترعاها الأجداث القبور مفرده جدث واترهُمْ وتره قتل حميمه الموتور من قتل حميمه البردة كساء مخطط يُلتحف به جمعه بُرَدٌ وبُرد الكُوخُ بيت من قصب بلا كوة فَرَقاً خوفاً أُدم الأدم ما يؤكل به الخبز.
اضائه؟
يكتسب النص أهميته من الفكرة التي ينبثق منها وقد أوضحها الشاعر بعدد من التعبيرات والصور الموحية وخلاصة ما أراد الشاعر قوله أنه استعرض التاريخ الإسلامي المشرق فأصابه الأرق ومما زاد في أرقه أن العروبة والإسلام انحسرا في زاوية من الأرض بعد أن كان الكون كله مسرحاً لهما يسير فيه العربي طولاً وعرضاً معزاً مكرماً ويتساءل الشاعر أين العرب الذين فتحوا الروم وتجاوزوا بحارها أين هم ردحاً من الزمن وما كان للحضارة المعاصرة أن تتصل اليوم أين قيمهم التي سادت بالحضارة الغابرة لولا هذا الفتح الإسلامي الذي أضاء الدنيا كلها بنور الإسلام علماً وحضارة وكان الإسلام ولا يزال محفوظاً بحفظ الله وإن حاول الأعداء تشويهه فلن يفلحوا ويتساءل الشاعر مرة أخرى قائلا أي معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم أكبر من أنه أخرج الأمة العربية من أمة لا تكاد تذكر كانت كيانات ممزقة وقبائل متفرقة تابعة للفرس أو الروم إلى أمة موحدة رائدة متبوعة متلاحمة كالجسد الواحد ثم يتحدث عن القيم الإسلامية كالعدل والإخاء والمساواة وأن هذه القيم عندما تجسدت في أمة ورأى الناس هذه الأمة يستوي فيها الحاكم والمحكوم ويحنو فيها القوي على الضعيف حينها أقبل الناس على الإسلام ودخلت شعوب كثيرة في هذا الدين لما رأوا فيه من العدل والمساواة وأخيراً يقول الشاعر إن العروبة كلمة مدوية اتسع لها الكون وفهمها العالم على أوسع نطاق إذ شملت الجغرافيا واللغة والدين.
تحليل وتذوق؟
نقرأ في هذا النص شعراً ذا عاطفة جياشة وكلمات شعرية منتقاة وتعبيرات موحية منظمة متآلفة جمع فيها صاحبها بين الالتزام الشعري شكلا ومضمونا والتجديد في الأفكار والمعاني ووحدة الموضوع ومنهج القصيدة عموما ينتمي إلى مدرسة المحافظين البيانيين المدرسة الكلاسيكية وقد تضمن هذا النص عددا من سماتها ومنها وحدة الوزن والقافية فالوزن من بحر البسيط وهو بحر ذو نفس طويل زاد من طول نفسه كثرة المدود التي التزمها الشاعر آخر البيت أضعناه زواياه تاهوا الخ فضلاً عن مـدود أخرى في حشو كل بيت ففي البيت الأول مثلاً إني والذكرى تليداً بأيدينا هذه المدود جاءت ملائمة لموضوع القصيدة التي يتغنى فيها الشاعر بأمجاد الأمة تارة ويتحسر على ضياع تلك الأمجاد تارة أخرى وكلا المعنيين التغني والتحسر يستدعى هذا النفس الطويل الذي جسدته القصيدة وقد شكلت تلكم المدود إيقاعاً داخلياً متناغماً مع المعاني التي قصد إليها الشاعر الجمع بين عذوبة الألفاظ وجزالتها وقد وفق الشاعر توفيقاً كبيراً في استخدام ألفاظ تجمع هذه الثنائية في سياقها اللغوي فحين نتأمل ألفاظاً مثل مؤرقة تليداً ويح تتوارى تاهوا تكلؤها شاهوا إلخ نجدها ألفاظاً جميلة منتقاة وجمالها راجع إلى عذوبتها ورقتها وسهولة نطقها من ناحية وإلى قوتها الدلالية الإيحائية من ناحية ثانية حيث نتأملها في سياق الجمل التي وردت فيها ومن ناحية ثالثة فإن للعلاقات النحوية أثراً كبيراً في إبراز المعاني فالمعاني الكلية لا تكونها الألفاظ وإنما تكونها العلاقات النحوية بين تلك الألفاظ وهي التي تجعل منها نسيجاً مترابطاً ترابط أعضاء الجسم الواحد وهكذا نجد ألفاظ هذه القصيدة من حيث دلالتها في سياق النص فكلمة مؤرقة جاءت خبراً للمبتدأ الذكرى فدلالتها جاءت من دلالة المبتدأ ولولا أن الشاعر تذكر أمجاد أمته لما أرق ولنام قرير العين كما تنام الملايين وكلمة تليد صفة للمجد ولولا أنه مجد موصوف بهذه الصفة العزيزة على النفس لما استحق أن يتذكره الشاعر ويعتريه الأرق من أجله وكلمة ويح توحي بتوجع الشاعر وتذمره مما أصاب العروبة اليوم من ظلم وضيم ولنتأمل أخيراً كلمة شاهوا وعلاقاتها الجزائية بأداة الشرط كلما الدالة على التكرار أي إن التشوه حاصل لكل من حاول تشويه العروبة والإسلام وأن هذا التشوه يتكرر كلما تكرر الفعل حاولوا تنوع الأساليب بين الخبر والإنشاء إذا تذكرنا أن الجملة الخبرية هي ما تحتمل الصدق أو الكذب وأن الجملة الإنشائية ما ليست كذلك فسنجد أن الشاعر قد نوع أساليبه بين الجمل الخبرية والجمل الإنشائية فمن جمله الخبرية قوله إني تذكرت والذكرى مؤرقة وقوله سنوا المساواة لا عرب ولا عجم ما لامرئ شرف إلا بتقواه ومن جمله الإنشائية قوله سل الحضارة ماضيها وحاضرها أسلوب أمر وقوله من وحد العرب حتى صار واترهم أسلوب استفهام وقوله يا من رأى عمراً تكسوه بردته أسلوب نداء ولكن ما قيمة هذا التنويع والتنقل من أسلوب إلى آخر يقول علماء المعاني إن الجمل الخبرية تفيد التقرير والثناء في حين تحمل الجمل الإنشائية كالاستفهام والأمر والنهي والنداء معاني متعددة كالأمر في قوله سل المعالي عنا إننا عرب المراد منه الفخر والاستفهام في قوله هل تطلبون من المختار معجزة والنداء في قوله يا من رأى المخاطب وتنبيهه ودعوته إلى عمراً تكسوه بردته المراد بهما التعجب وربما يكون في هذا التنويع شيء من إيقاظ حس ا الاهتمام ويأتي ذلك في سياق حرص الشاعر على التأثير في المخاطب وتتراوح صور الشاعر البلاغية بين التشبيهات والاستعارات والكنايات وغرضها جميعاً الإبداع بواسطة الخيال كي تتجسد المعاني وتتسع الرؤى وتتعدد الإيحاءات ففي قوله بأيدينا أضعناه كناية عن أن ما حصل للأمة ليس إلا بسبب تقصيرها عن الأخذ بأسباب النصر وليس من عدو خارجي وفي قوله كان الكون مسرحها تشبيه يوحي بسعة الفتوح الإسلامية وانتشار العربية واتساع رقعتها بقدر اتساع تلك الفتوحات فقد كانت تتحرك على مسرح واسع هو الكون كله والعروبة هي بطل ذلك المسرح تجوبه شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وفي قوله فأصبحت تتوارى في زواياه كناية عن الانحسار والتراجع والتعبير بكلمة تتوارى إيحاء تصويري بالخوف وضيق المساحة وفي قوله يكفيه شعب من الأجداث أحياه إيحاء بما كان عليه العرب قبل الإسلام وكيف صاروا بعده أمة عظيمة صانعة للتاريخ ومؤثرة في أحداثه وقوله والزيت أدم له والكوخ مأواه كناية جسدت معنى الزهد والتواضع اللذين كانا من سمات الحاكم المسلم الذي بنى تلك الحضارة بقيمها وعلومها فالحضارة قيم وثقافة قبل أن تكون مظاهر مادية أو بناء عمرانياً وفي قوله يهتز كسرى على كرسيه فرقاً إيحاء بما كان للخليفة المسلم من هيبة رغم زهده وتواضعه وفي قوله هي العروبة لفظ إن نطقت به إلخ إيحاء بقدرة العربية على استيعاب كل مظاهر الحياة الإنسانية بعلومها وفلسفاتها وأفكارها فكلمة العروبة هنا استوعبت الشرق أرضاً وشعوباً ولغةً وأفكاراً وفي النص عدد من مظاهر الجمال التعبيري المتمثلة في عدد من المحسنات اللفظية كالجناس والطباق مثل قوله سل الحضارة ماضيها وحاضرها الطباق بين الماضي والحاضر وقوله فكلما حاولوا تشويهها شاهوا تجانس بين تشويهها شاهوا.