وهو لا ينكر ذلك الهروب الذي يستله مما هو فيه لينسى عالمه الحقيقي الذي طالما بحث فيه عن سبل قرار مختلفة يقول في إحدى قصائده متحدثاً عن قلبه المحطم الهارب ومخاطباً عادله الذي أثقله بالملام
ماذا يخاف؟ ولم يظفر بأمنية
يحيا عليها ويخشى فقدها وجلا
فلتترك القلب يحيا في الهوى زمناً
علَّ الزمان يُزيل الهم والشغلا
ومع ذلك الهروب الذي جعل الحنين وسيلته يقع أحياناً فيما هرب منه، فها هو يخاطب ذلك العادل في القصيدة نفسها معترفاً بتمكن الغرام من قلبه بعد أن كان لا يحسب لذلك حسابا:
يا عاذل القلب لا جدوى بتذكرة
شبّ الغرام وأضحى قاهراً بطلا
كما أفصح في موقف آخر عن أثر الحنين والذكريات في نفسه الأسيرة، ومفهومهما الذي توصل إليه من خلال تجاربه بقوله في قصيدة الذكريات والصدى
حسبي التذكر في الحياة وسيلة
تمحو عن القلب الذي يصمينا
فالذكريات صدى ليوم قد مضى
حسْبُ المُعَذِّبِ أن يكون أمينا
ولذا فإن شعر الحنين بمقدوره أن يكشف عن صدق التجربة الإنسانية حينما توقظها الذكريات الماضية في مراتع الأنس وأحاديث الذات ليظل الحنين في شعر شرف سجلاً حافلاً بأبعاد معاناته، وليظل أيضاً نافذة تطل بنا على ماض طالما رنا إليه أو حلم به.
وعبدالله شرف قد يكتب عن معاناة ليخرج من أخرى، فهو قادر على التكيف مع آلامه إذا اختلفت أحواؤها وإذا كان شعر الحنين نوعاً من الفرار من الواقع الأليم ففي الماضي بشتى صوره عند الشاعر مندوحة للتخفيف من حدة برحائه وآلامه.
ونستشعر حقيقة المعاناة وتلهفه إلى الماضي مع ما فيه من مرارة في مثل قوله
ذكراك أشعلت الفؤاد حنينا
فانساب شعراً تارة وأنينا
أرنو إلى الأفق المنور علني
ألقى به خفْق الخطى يأتينا
وأظل أنشد للطيور ملاحناً
تحكي أريج الورد والنسرينا
كنا وكان العمر محض سعادة
واليوم ألوان الأسى يسقينا
يا ذكريات السعد طوفي واملئي
كأسي بفيض منك قد يروينا
كم ليلة قد كنتُ فيها فارساً
والحب من ليلاي كان مكينا
يا ليت شعري هل نعود فنلتقي
بعد التفرق والهوى يعطينا؟
وإذا التقينا هل تعود سعادة ؟
كم قال قلبي هاتفاً: آمينا
فالذكرى أضرمت نار حنينه وتطلعه إلى الماضي جعله يشدو حيناً ويبكي حينا يشدو لتلك السعادة، ويبكي على ما آل إليه الحال، ومع ذلك لا ينقطع رحاؤه فهو ما زال يرتقب عودة ذلك الماضي السعيد.
ويبلغ به الأمل منتهاه عندما ينادي حبيبته لتشاركه نظراته المتفائلة ثم يدعوها بعد ذلك إلى ما كان غائباً عنه في معظم قصائد حنينه يقول في القصيدة نفسها
تعالي تملأ الدنيا رواء
ونصدح بالغناء ولا نكفُّ
و نبسم إن بدا في الأفق غيم
فبعد الغيم وجه الكون يصفو
تعالي نملأ الدنيا حناناً
وفوق مرابع الإيمان نغفو
هذا هو عبدالله شرف الذي تتنازعه أحاسيس مختلفة فطوراً يبلغ به اليأس منتهاه فيخيم عليه بدياجيره، وطوراً يجنح إلى نظرة أكثر تفاؤلاً فيرضى بما هو فيه ويسلم الأمر إلى خالقه سبحانه، ليأخذنا معه إلى عالم أرحب وأفق مفعم بالإشراق والأمل.
وما الحنين الذي ينساق إليه طوعاً حيناً، وقسراً في أحيان أخرى إلا سبيل من سبل الخلاص التي يجد فيها راحته وطمأنينته، حتى لو كانت تلك الذكريات أشد وقعاً عليه من حاضره.
ج- الشكوى : وبها يعبر الشاعر عن شعوره بالظلم أو فقدان العدالة أو السخط مثلما يعبر عن مطالبته بالإنصاف والعدل.
وشعر الشكوى لدى شرف كثير التشعبات والمسالك فما إن تضع يدك على باعث تنفجر لأجله شكواه حتى تجد بواعث أخرى منها ما هو متصل بالباعث الأساس ومنها ما هو منبعث من روحه الوجلة التي قل أن تستقر على حال.
وعبدالله السيد شرف بهذا شاعر قلق يكشف عن معاناته مع القيود في وضوح شديد أملاً في الخلاص والانطلاق بعد أن طرحته عاهته قعيدا، وما عاهته تلك التي لازمته جسداً وروحاً إلا مثال قوي وواضح على ترسخ جذور الألم في نفسه مما جعل كل أنة يصدرها وكل دمعة يذرفها امتداداً لتلك المعاناة التي أطال فيها أنينه، وأكثر فيها شكواه ومن أجلها اختلق عوالم أخرى من المعاناة قد يظن البعيد عنها أنها مستقلة بذاتها عن أي معاناة وما هي في الحقيقة سوى رؤى مستنسخة من رؤيته الأم حول عاهته وإلا لما وجدناه في كثير من أشعاره يستلهم من عاهته الغزل والحنين، ثم يقر منهما إلى تأملاته للطبيعة ليستلهم منها نماذج يرى فيها الانطلاق والحرية.
تخلص من هذا إلى أن أبرز بواعث الشكوى في شعر شرف ما كان متصلاً بعاهته وقد تحدث عنها في قصائده ملقياً باللوم على زمانه الذي تركه مكبلاً بقيود سودت الدنيا في ناظريه، حتى أصبح عاجزاً عن كل شيء هكذا عبر عن حاله تلك في قصيدة حاور فيها لائمته العجول
أطيلي ما بدا لك في ملامي
فما أخشى الملام مع السقام
تحملت الأسى عمري فقلبي
تحصن في دروع من سهام
ألام وهل يُلام سوى زمان
تفنن في الخصام والانتقام
لقد أودى بما ملكت يميني
وقيدني ليكبح من زمامي
فالشاعر لن يجدي معه اللوم لأن المصاب في رأيه أجل من أن يخففه ملام، وهو يريد من لائمه أن يوجه ملامه إلى الزمان الذي أضاع أمانيه وحد من انطلاقاته.
وموقفه من زمانه ناتج عن صراع ثم يأس، فالشاعر يذكر أنه تحمل وصير ولكن الزمان لم يقدر له ذلك بل أصبح يتعامل معه تعامل المعاند، يقول في القصيدة نفسها
رأيت الدهر كبلني بقيد
تَغَلَغَلَ رغم سعيي للعظام
ولما طال صبري زاد غيظاً
وأمعن في العناد وفي الخصام
وأسلمني إلى نوم طويل
کشأن الطفل من قبل الفطام
يلحظ في هاتين المقطوعتين أن الشاعر ينظر للزمان والدهر نظرة الخصم للخصم وأنساه اليأس أن قضاء الله وقدره فوق نظراته تلك، ونحن وإن اختلفنا مع الشاعر عقدياً في نظرته للزمان والدهر نقف معه جنباً إلى جنب في معاناته التي قصر عنها علمه بحكمة الله سبحانه، ولم يعلم أنها هي التي صنعت من أساه ونجيبه أنغاماً شجية ربما لا يقوى على عزفها سواه.
إننا نرى في الأبيات السابقة نوعاً من التسليم الممزوج باليأس والأسف مقارنة بالمقطوعتين السالفتين، ولعل تأقلمه النسبي مع عاهته وعلمه بعجز الثوران عن تخفيف معاناته كان له أثر في هذه المسحة المعتدلة نوعاً ما في هذه الأبيات.
وفي أحيان ينظر إلى قيده نظرة واقعية، ويشكو من آثار عجزه حسياً لا روحيا فهو يتبرم من عجزه عن السير ويتضجر من ملل من حوله منه بسبب حالته يصف كل هذا في حديثه عن ركب مسافر فانه، ولم يستطع مشاركتهم السفر في قصيدة موكب الشعراء
هل عندكم في بهيم الدرب تعزية؟
زاد الشقاء وملّ الأهل والجار
يا موكب النور بعضاً من نضارتكم
ما في الطريق لنا نور ولا نار
بعض العزاء فإنا ليس يشغلنا
إلا حواجز تقصينا وأسوار
لولا الذي صار من قيد يُكبلنا
ما فاتنا الركب إن القيد جبار
فهو يلتمس من ذلك الركب مواساته في نفسه التي زاد عليها عناء النظرات من القريب والبعيد، وكذلك يرجو منهم عذره في ترك صحبتهم لعجزه عن ذلك بسبب قيده القاهر الذي حال بينه وبين صحبتهم.
وعقدة القيد كما استعرضت في شعر شرف تتنامى حيناً لتصل إلى ذروة الشقاء الروحي، ويهبط مستواها حيناً إلى حد المعقول لتدور في أطر حسية وتلامس الواقع الصحيح.
وهذا يعود إلى الحالة النفسية التي يمر بها الشاعر، فمن أفق إلى غور ومن قنوط إلى إعتدال.
و من عقدة القيد إلى عقدة التشاؤم والقلق، فقد يبلغ اليأس بالشاعر منتهاه فيشرد ذهنه إلى عالم الأوهام والأحزان ثم ينتقل إلى أقسى درجات الشك والحيرة، ويعيش في عالم الأموات ويتخيل أنه بين القبور تلمس هذا في حواره مع نديم له في قصيدته، يا نديمي
يا نديمي إن تعج يوماً على قبري ترحم
أو تجئ ذكرى أمانينا المواضي فتبسم
كم سعينا نبلغ الآمال في الدنيا وننعم
وانتهى عمري هباء فاطرد الأحزان واغنم
يا نديمي لم يعد في الكأس شيء من شراب
لم تعد إلا البقايا لم يعد إلا السراب
فاترك الذكرى تخفف بعض أوهام العذاب
ولتزر قبري لعلي من سنا رؤياك أنعم
لقد كان الشاعر في عالم آخر يصارع فيه نفسه، وما أفاق من تلك الغيبوبة حتى بدت معالم الحيرة في قصيدته التي يشيع فيها الحزن والتشاؤم بالرغم من دعوتها للتماسك والصلابة.
وقد خيلت له تلك الحيرة بإيحاءاتها أنه في عالم الأموات فراح يطلق شكواه المرة ويبوح بالامه التي تقل عنها صدره المحمل بأنواع الهموم ناعياً أمانيه التي ضاعت بين الخوف والحرمان.
وهو بين اليأس والحيرة يدعو نديمه إلى التماسك ويطلب منه أن يأخذ من حياته عبراً قد تجنبه تجارب مريرة كتجاربه التي عاناها وهذا الانتقال من حديث الذات إلى حديث النديم وتوجيهه يمكننا أن نستشف منه سيطرة المشاعر الحانية على أنين الشاعر الباكي، مما غلب جانب العطف والرحمة على جانب البكاء والشكوى في بعض مقاطع القصيدة.
وتطول به الشكوى في مواقف أخرى عندما يطلب منه اللوام البعد عن اليأس، والتخفيف من الشكوى متجاهلين حاله ودواعي شكواه، كقوله
أنا الجوعان والعريان
والمشحون بالصمت
أقضي الليل في ألم
أجالد بالرضى موتي
شكوت فقيل: لا تيأس
وَأَشْعِلُ بالرِّضَى المصباح
يغدو الكون أنواراً
ويسري الدفء في البيتِ
وكيف أضيء مصباحي
و مصباحي بلا زيت
إجابة مقنعة لشاك مثله إذ كيف يواجه آلامه تلك، ويخفف من شكواه المرة بعد محاولات اعتراها الإخفاق؟ وكيف يستطيع إضاءة مصباح تفاؤله ومصباحه بلا زيت؟ ومن ضروب الشكوى في شعر شرف الشكوى من الغرام والهوى فما يفيق من سكرات الحب إلا ويجد قلبه محطماً وروحه ذابلة.
وقد يمزج أحياناً في شكواه بين طبيعة الهوى وما فيه من معاناة وظلم مالكة هواه له كقوله
يا حبيبي أين أيام ملأناها نعيما
وأذعنا حبنا أنشودة تجلو الغيوما
حبنا هذا الذي روّى من العطر النسيما
هل تذكرت الأماني؟ كلها أضحت هشيما
كلها لم تبق حتى لمحة في البعد تسبي
يا بهي الحسن يا سحراً عن الأحلام ينبي
يا أخا الآمال كم أسرفت في هجري وحربي
يا رفيق العمر إني لم أزل أحيا بدربي
زورة تحيي الأماني جن بالأشواق قلبي
لا وداع يا نعيم الروح يا نوري وحسبي
وفي واحدة من شكاواه يوجه خطابه إلى ذلك القلب طالباً منه الهدوء والاستقرار بعد أن أثبتت له الأيام أنه عاجز عن غلابها، يفصح عن هذا في قوله
أما أن يا قلب أن تستريح
وأن تستقر على مرفأ
توالت عليك خطوب الحياة
وسارت خطاك إلى الأسوأ
فيا قلب ودع بقايا الرجاء
وودع حياتك أو فارجئ
تشكيت عُمْراً فماذا أفدت
فبح ما بدا لك أو فاخبإ
وناديت دوماً ألا من يجيب
فعزّ الشفاء كما ترتئي
فماذا إذن؟ قد فقدت المعين
وتدنو المنية فاستبرئ
وراجع حياتك واطو الكتاب
على أمسك الحالم الأضوأ
لقد أسلمته مرارة شكواه إلى اليأس، وماذا أفادته شكواه وقد كان لا يفتر عنها؟ يسائل قلبه عن ذلك ليمسك ما بقي له من طيوف الأمس الجميل ليعيش على صداها باقي أيامه.
ولكن خوفه المستمر وانعدام ثقته في زمانه يجوزان به مرحلة اليأس إلى ما بعده فيخاف من القادم الأسود ويفصح عن ذلك الرعب في آخر بيتين من القصيدة السابقة
لقد غاب نجمك دون النجوم
فيا ليت شعري من منبئي
بما يحمل الدهر بعد المشيب
وماذا يُخبئ لي موطئي
وتطول به الشكوى حتى تنعدم ثقته في شكواه، فيشكو الشكوى ويبكي نفسه بكاء العاجز عن البوح الذي كان يأنس ببوحه عندما يهمس به في أذن ضميره، يقول
على الآلام كم عشنا سنينا
نطاولها ونحيا ظامئينا
وكم آثرت أن أحيا وحيداً
أداري في الأسى جُرحاً مكينا
ولم أجد الهناءة في زماني
وكيف ولم أكن إلا طعينا
فقدت على الشباب سنين فرحي
وعشت أطالع اليأس المبينا
وطال الهم والأيام ترمي
مصائبها ولا ألقى معينا
وكنت إذا شكوت مصاب قلبي
وجدت الدهر زاد لي الشجونا
ومن شكوى زمان نازعه سنين أنسه فتركه ظامئاً لا يعرف للهناء طعماً، ينتقل بشكواه تلك إلى شكوى من نوع آخر ولكنها شكوى أكثر اعتدالا وطالما باح بها الشعراء ومع ذلك لا يعفى الزمان منها لأنها مسألة إنصاف وتقدير كما يراها في أبيات من قصيدة، غربة الأديب
هي الأيام شيمتها العناد
وديدنها التعنت والفساد
تروح على بنيها بالأماني
وتغدو والشقاء لها حصاد
تخادعنا لنضحك ثم نصحو
على وهم يضيق به الفؤاد
ثم يسمو بشكواه عن البكاء والأنين مثبتاً مقاومته وصبره في شموخ لم نعتده في شعر الشكوى يقول وقد تمثل غربته في العالم الكبير، واصفاً مواجهته صلف الحياة وشظف العيش
غريب في الديار ولا رفيق
وحيد في المقام ولا ودادُ
وكم ضاقت عليه سبيل عيشٍ
فلم يحفل وظلّ هو الجوادُ
نتيجة لما سبق من استعراض لأبرز ضروب شعره الوجداني الذي مثل غالبية شعره المطبوع والمخطوط نصل إلى أن الشاعر في وحدانياته تلك ينطلق من مأساته الخاصة المتمثلة في عاهته، وقد صور من خلالها عوالمه المختلفة آسياً على حاله وباكياً طموحاته التي طالما رنت إليها روحه الطليقة فصورها في أشعاره تصويراً ماثلاً بين أسطره حينا، ومتوارياً أحياناً خلف حروفه الثائرة.
تلك العاهة التي منعته الانطلاق الحسي لم تمنع مشاعره انطلاقات أخرى، ليعوض في نهاية المطاف عن أسره الثقيل الذي عاناه طويلا، وقضى نحبه وهو بين قيوده.