0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

موضوع اليوم سيكون عن الدراسة الموضوعية وتشمل؛

1- الشعر الوجداني : هذا النوع من الشعر هو الذي يعبر عن انفعالات قائله الشخصية وما يكتنف وجدانه من مشاعر وخواطر وعواطف مختلفة، وما تنطوي عليه تلك العواطف والعوالم من مستويات نفسية وفنية تتجاوز تلك الأحاسيس الفردية إلى تصوير أشواق الإنسان وطموحه وقلقه وهمومه في مرحلة من شأنها أن تثير في النفس كل هذه الألوان من العواطف والأحاسيس. 

وهو أيضاً الذي يصور مشاعر الذات من حب وكره وفرح وحزن وغيرها، ويمثل اتجاهاً جلياً في منشور الشاعر ومخطوطه لا سيما أن شرفاً لم يخض بقلمه تلك المحالات التي خاضها معاصروه.

والمتأمل في واقع الشاعر والظروف المحيطة به لن يعجب من كون الشاعر يجعل من تلك النزعة الوحدانية ملاذاً يخلص منه إلى حديث الذات، ولذا غلبت النزعة الوحدانية على شعر الشاعر عبدالله السيد شرف الذي نحا بالكثير من شعره منحى الرومانسيين في مصر الذين سيطرت عليهم تلك النزعة بدرجة كبيرة. 

ولغلبة هذا النوع من الشعر على الشعر الذاتي المحض لدى شرف وغيره من معاصريه أسباب تعود إلى تضاؤل دور الأفراد في المجتمعات الحديثة وبروز دور الشعب بصورة عامة. 

وإذا كان شعراء الرومانسية المغرقون في الوجدانية الذين عاصر الشاعر كثيراً منهم ينحون بوحدانياتهم مناحي رمزية بحيث ينسجون من ضياء الصباح ستور ظلمة ومن صخب المدينة سحباً ريفية ومن أمواج البحر أهازيج عذرية، نبحث ونقرأ في شعر شرف فلا نكاد تجد إلا اعتدالاً في تلك النظرات من حيث منطقية التعبير وصدق التناول، فليس غريباً أن يبقى شعر عبدالله شرف في نهاية المطاف ليعطي في جوهره روح الشعر ووجدان الشاعر. 

ولعل أبرز مناحي تلك النزعة الوجدانية المبثوثة في شعر عبدالله شرف شعر الغزل وشعر الشكوى وشعر الحنين.

أ- الغزل : وهو من أكثر الفنون الأدبية عراقة وألصقها بالشعر الغنائي، بل هو أشهرها وأكثرها رواحاً وإمتاعا وظل امتداداً لموضوعات الشعراء الرومانسيين العرب إذ هو أقواها تصويراً لعواطف الشعراء وأحاسيسهم مع الطرف الآخر والمرأة فيه تصوير الهوى الرجل ووجده وفيه وصف الخلق المرأة وأخلاقها، وفيه حكاية عما يجري بينهما. 

وقد حظي الغزل بمكانة كبيرة في شعر عبدالله شرف وقد جاءت قصائده الغزلية في نسقها المعهود من قديم العصور فهي تتأرجح بين التوق إلى امتلاك الحبيبة والتوسل إليها، وبين الحزن والبكاء الناتج عن فقدان المرأة. 

ولشرف أن يبدع في هذا المجال أكثر من المجالات الأخرى، لأن الشعر الوحداني وفي مقدمته شعر الحب محور أساس في علاقة الرومانسيين بالمرأة ورومانسية عبدالله شرف تفرضها عليه طبيعته المرهفة وواقعه الذي عايشه مقيداً بجسمه فما كانت حركاته سوى حركات وحدانية تمور في داخله فحيناً تموج بها الذكريات وأحياناً كثيرة تعصف بها رياح الحب التي يأنس إليها ويتخذ من أعاصيرها أصفى نديم.

ولتلك الأسباب رأى أحد النقاد أن الحب يكون عند الشاعر الوحداني كاليد الرحيمة التي يرجو الشاعر أن تمتد إليه لتنتشله من وهدة الحياة وآثامها ففي الحب يجد الشاعر خلاصه من وحدته، وإحساسه باليأس أو العجز أو بالاغتراب. 

وللنسق الذي سار عليه عبدالله شرف في غزله أصوله العذرية العفيفة فليس في شعره محون ولم يكن يبتذل صورة محبوبته كما ابتدلها غيره ممن كان جل حديثه عن معشوقته حديث المشتهي جسدها الطامع إلى وصالها وما كان يعنيه أن يلتفت إلى عواطفها، إنما هو مشغول دائماً بنفسه وهواه ورغباته وتطلعاته بل كان شرف يستأثر بالتعبير عن هواه النقي ومشاعره الطاهرة، متخذاً الشعر وسيلة بيث من خلالها تباريحه.

وهو كغيره من الرومانسيين الذين تناولوا المرأة في أشعارهم روحاً لا حسداً فنظروا إليها نظرة خاصة تختلف عن نظرات شعراء الجسد والمفاتن، فهي عندهم ذلك الكائن اللطيف الرقيق المشاعر وهي الملاذ الذي يحتمون بحبه من اغترابهم في الواقع الإنساني، وهو في أشعاره تلك بين مقلد يسير مع الشعراء الذين أسهبوا في هذا المجال مصورين أجواء غرامية حالمة ليضفوا على أشعارهم رونقاً بهياً ونغمات عذبة مسموعة، وبين صاحب معاناة صادقة قامت أسسها على الوفاء والإخلاص.

وهذا الجانب الأخير يتمثل في علاقته الطاهرة برفيقة دربه التي خرجت معه من المدينة الصاخبة وشاركته هدوء الريف وقاومت من أجله نظرات كثيرة تحذرها من مستقبل مجهول مع رجل بدأت عاهته تستشري في جسده تلك التضحية تجعل القارئ يستشعر صدق التجربة في غراميات عبدالله شرف المتعلقة بهذا الجانب.

ويتحلى هذا الوفاء والإخلاص في قصيدة، العمر أنت:

قلبي الذي قد عاش دون شريك

وجد السعادة والهناءة فيك

أسرته معجزة الغرام فلم يزل

يرنو إليك معذباً يرجوك

يدعو ويقسم لا يزال متيماً

يفني الحياة على ربي واديك

أسرته منك ملاحة يشدو لها

ولها ويحيا العمر لا يسلوك

لم يدر قبلك ما الهناء وما الرضى

فسعى إليك متيماً يفديك

ما العمر إلا أنت رغم تكتمى

والروح في دنيا الأسى تدعوك

طوفي على عمري أنال رغائبي

واستقبلي نغمي عساه يفيك

ولتعلمي أني المحب وأنني

أحد السعادة والهناءة فيك

إن في تلك الأبيات تعبيراً صادقاً عن مشاعر الوفاء والولاء لتلك الحبيبة التي أسرته بغرامها فأصبح لا يجد السعادة إلا معها وأقل ما يمكن أن يقدمه لها مكافأة لصدق هواها معه أن يبرهن لها وفاء قلبه الذي لم يعرف شريكاً معها، ولا عجب في ذلك إذ إن من شأن الحب الصادق أن يكون مركزاً على القلب وما يعانيه من مرارة والتباع. 

ولا يقف عند هذا الحد من الإثبات بل إنه يذكر لها دعاءه الله أن يبقيه متيماً بها وهائماً في هواها ولكي تشعر بأمان أكثر يقسم لها أنه سيظل كذلك مغنياً عمره في دنيا هواها.

ولا يريد الشاعر منا أن نعجب من صدقه المتناهي مع محبوبته، لأنه كان قبل أن تملاً دنياه لا يعرف للهناء ولا للرضى معنى في حياته، فهي عمره الجديد الذي أعاد إليه كل معاني السعادة.

وفي نغم سام يشدو بأعذب ما يقوله محب لحبيبته التي ملأت وجوده، وأفعمت كيانه في قوله

يا بهي الحسن يا روح الهوى في كل درب

يا شعاعاً من حنان الله في صدري وقلبي

یا نعیمی یا شفائی يا هوى روحي ولي

أنت نوري في حياتي أنت من آيات ربي

آه لو تدري بما في القلب في بعد وقرب

كل شيء يا حبيبي ها هنا يحكي هوانا 

دربنا الهادي وأحلاماً وهبناها صبانا 

ورياض الحب فيها ذكريات من لقانا

فجرنا الصافي على عمر من الطهر رعانا

والربيع الغض صفو لم يزل يذكر حبي

وكان دائماً يبرهن لمحبوبته صدقه ووفاءه فيقر بجميلها ويعترف بصدق ودادها بعيدا عما يذيعه الوشاة وكأنه يريد أن يثبت لها ما تثبته له وليس إلى هذا الحد وحسب، بل يتجاوز ذلك التأكيد إلى ما بعده من عشق أبدي لن تغيره الأزمان ولا الأحوال يقول في مقطوعة بعنوان، لا تصدق

حدثوا أن فؤادي

لم يَعُدْ يَذْكُرُ عَهْدَكَ

لا تصدق يا حبيبي

لم أزل أحفظ ودك

أنت في قلبي نشيد

يا نعيمي أنت وحدك

رغم بعدي إن روحي

لمْ تَزَلَ يَا حُلْمُ عِنْدَكَ

لا فوادي عنك يسلو

لا ولن أعشق بعدك

ومن هذا التجلي العاطفي ينتقل إلى تجل فني من نوع آخر يجسد من خلاله قدرته على فن رياضة القول وبراعته في صياغة العواطف بعد أن يكسوها ثوباً قشيباً من عبارات العشاق التي اكتسبها من عشقه الحقيقي الأول ليثبت للمتلقي أنه في الشباب قوي الإرادة غض الهوى دون أن تمنعه آثار عاهته النفسية من التعبير عن مثل تلك الخلجات التي تنتاب شعراء الهوى، يقول

يا حسنها أشعلت في كبدي

مثل الجحيم فهذه الخطب

يا عودها الريان معذرة

مني إليك فهل دنا القرب

یا شعرها والريح تليمه

في رقة فيثور بي اللب

يا نظرة ما زلت أذكرها

يوم اللقاء فَضَمَّنا الركب

ما دار في خلدي ولا خطرت

أن السهام بعينها شهب

تلك الصفات التي وصف بها محبوبته صفات حسية تناولها الشاعر بالطريقة التقليدية المعهودة ليظهر براعة تصويره فمن الحسن العام في قوله: يا حسنها، إلى تفاصيل ذلك الحسن ذي العود الريان والشعر الذي تتطاير به الريح والنظرة الفائكة من عينيها الساحرتين التي انقضت على قلبه سهاماً كالشهب.

وفي قصيدة أخرى يفصح عن حقيقة هواه وحدود تضحيته للحبيب واصفاً ما يلقاه من تباريح بعيداً عن تلك الأوصاف الحسية القريبة في أبيات يقول فيها

لها في القلب ما تهوى

ولي أنفاس ناياتي

لها الأحلام مشرقة

ولي شوقي وآهاتي

فكم هامت بها روحي

وكم طاقت بها ذاتي

أضيء حياتها حباً

وتطفي ضوء مشكاتي

وأغفو فوق أشواقي

وتغفو فوق أناتي

تعانقني تباريحي

فتسخر من صباباتي

لها قلبي وما تهوى

ولي قلمي وأشتاتي

والفارق بين الأبيات في هذه القصيدة والتي قبلها يظهر في جانب واحد مع اتفاقهما في المعنى العام، وجانب ذلك الاختلاف يكمن في طريقة التصوير ففي أبيات القصيدة الأولى صور تباريحه عن طريق تشخيص معاناته المتمثلة في مفاتنها الحسية أما أبيات القصيدة الثانية فقد صور فيها معاناته عن طريق التشخيص المعنوي لما يلقاه متجنباً الوصف الحسى وهذا الجانب الأخير هو الغالب في شعره الغزلي، وهو ما يمكن أن يعد ظاهرة عند الشعراء الرومانسيين الذين يشخصون معاناتهم الغرامية تشخيصاً روحيا.

ويمضي في قصائد أخرى مفصحاً عن تأثير الهوى في قلبه المفتون دون أن يمنعه غرامه الفني من البوح بآلامه والتصريح بما يتلجلج في خاطره من آلام قيده الثقيل خاصة عندما يحس بقوة الطرف الآخر يقول في قصيدة، الرحيل إليها

ما شئت بالقلب فاصنع أيها الرشأ

فيك الرحيل ومنك الري والظمأ

لما خطرت أحلت الكون أغنية

خضراء تشدو بها الأطيار والكلأ

فبت مرتحلاً في إثركم فرحاً

والقلب في أفقكم كالطير يجترئ

مرت عليه شهور بات ينكرها

يشكو عذاب الجوى والعمر ينطفئ

وهدت الريح ما يبنيه من أمل

وخلّفته نؤوماً عيشه خطأ

إن حاول العزف لم تقدر أنامله

وخانه اللحن حتى أزّه الصدأ

فها هو مع إفصاحه عن تأثير الغرام في وجدانه يشكو لمحبوبته فرط عنائه وثقل قيده الذي ما كان ليصرح به لولا تداعيه المفتعل أمامها نتيجة جبروتها الذي أعجزه عن إخضاعها، فهو يسلبها فخر ذلك التأبي من جهة عدم التكافؤ.

وإلا ما كان ذلك الافتعال سريع التحول إلى النقيض المغاير وذلك عندما نراه ينتهج نهج عمر بن أبي ربيعة في الغزل والتشبيب وادعاء تعرض النساء له وطلبهن إياه، فها هو يصور مثل هذه المواقف بطريقة مشابهة في قوله

وقالت بثينة: ما للفتى

أراه بكل أوان هنا؟

يسير ورائي بوجه صبوح

يضوء على مقلتيه السنا

وأسمع منه رقيق الكلام

بأني هواه وأني المنى

فأشعر بالنار في وجنتي

ويخفق قلبي إذا ما دنا

ويرقص شعري جموحاً فتياً

ويُربك خطوي إذا ما رنا

ويقصر خطوي رويداً رويداً

إذا لاح بيتي على المنحنى

وأجلس أرسم فوق كتابي

بعقل شرود زهور الجنى

أحقاً أثرت لديه الفؤاد

وصرت الحبيبة والسوسنا؟

وأمضي أعد حراب الثواني

لأسمع في الصبح حلو المنى

واختلافه مع ابن أبي ربيعة ظاهر في تلك الأبيات وذلك عندما ذكر في أولها على لسان فتاته بثينة متابعته لها وتغزله بها، ثم سار بعد ذلك على نهج ابن أبي ربيعة عندما جعل الأمر يعود لصالحه في آخر الأبيات حيث إن متابعته لها وتغزله بها وتأدبه معها جعل بثينة تفعل بعضا ماً، مما كان يفعله فقلبها أصبح يخفق إذا، رنا إليها وخطوها يتقاصر عندما تدنو من بيتها وهي بين هذا وذاك تسائل نفسها عن تملكها لهواه كما أنه تملك هواها.

ونلحظ على الشاعر في أبياته تلك محاولته لتوظيف فكرة تراثية أعجبته في شعر ابن أبي ربيعة دليل ذلك اختلاف أبيات غزله عن هذه الأبيات ولهجها مما جعل النهج الأخير محدوداً في شعره، ودليل آخر قد يكون أظهر وأوضح، وهو اختيار اسم بثينة، علماً لفتاته وهذا الاسم لا تخفى إيحاءاته التراثية على ندرة ذكره الأسماء من يتغزل بهن.

وفي مشهد آخر، ولكن بثقة تفوق ثقة ابن أبي ربيعة يقول

قالت رفيقات ليلى

والغمز في الناظرين

ماذا جرى لفتاها

الأخضر المقلتين

تراه هام بأخرى

وراع ليلى ببين

ردت عليهنَّ ليلى

والورد في الوجنتين

ما بين قلب حبيبي

هوى عميق وبيني

فما تُرِدْنَ بهذا؟

هواه ملء اليدين

وإن تناءى بعيداً

وباعد الخطوتين

أنا أعيد حبيبي

قهراً بألحاظ عيني

وهذه الثقة البالغة التي أحستها الحبيبة في نفسها نابعة من ثقته بنفسه، فهو يبدي الصدود واثقاً أن حبيبته لا غنى لها عنه وبذلك تكون انعكست النظرة كما عكسها ابن أبي ربيعة في بعض أشعاره ولكن عبث شرف أكثر طرافة وأجمل رونقاء لأنه جعل القصيدة معرضا المحاسنه ومحالاً لدفاع محبوبته عنه وعن هواه، وهو مجرد سامع لم ينزل بنفسه إلى مستوى الرد، ودفع التهمة.

ب- الحنين : للحنين في أشعار عبدالله شرف أصداء مدوية، فهو يجعل من ذكرياته ملجأ للهروب من واقع يفر من معايشته أحيانا وإن كان صدى هذا الواقع في أحيان كثيرة أخف عليه من تلك الذكريات التي ليست أحسن حالاً من واقعه.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

وهو لا ينكر ذلك الهروب الذي يستله مما هو فيه لينسى عالمه الحقيقي الذي طالما بحث فيه عن سبل قرار مختلفة يقول في إحدى قصائده متحدثاً عن قلبه المحطم الهارب ومخاطباً عادله الذي أثقله بالملام

ماذا يخاف؟ ولم يظفر بأمنية

يحيا عليها ويخشى فقدها وجلا

فلتترك القلب يحيا في الهوى زمناً

علَّ الزمان يُزيل الهم والشغلا

ومع ذلك الهروب الذي جعل الحنين وسيلته يقع أحياناً فيما هرب منه، فها هو يخاطب ذلك العادل في القصيدة نفسها معترفاً بتمكن الغرام من قلبه بعد أن كان لا يحسب لذلك حسابا:

يا عاذل القلب لا جدوى بتذكرة

شبّ الغرام وأضحى قاهراً بطلا

كما أفصح في موقف آخر عن أثر الحنين والذكريات في نفسه الأسيرة، ومفهومهما الذي توصل إليه من خلال تجاربه بقوله في قصيدة الذكريات والصدى

حسبي التذكر في الحياة وسيلة

تمحو عن القلب الذي يصمينا

فالذكريات صدى ليوم قد مضى

حسْبُ المُعَذِّبِ أن يكون أمينا

ولذا فإن شعر الحنين بمقدوره أن يكشف عن صدق التجربة الإنسانية حينما توقظها الذكريات الماضية في مراتع الأنس وأحاديث الذات ليظل الحنين في شعر شرف سجلاً حافلاً بأبعاد معاناته، وليظل أيضاً نافذة تطل بنا على ماض طالما رنا إليه أو حلم به.

وعبدالله شرف قد يكتب عن معاناة ليخرج من أخرى، فهو قادر على التكيف مع آلامه إذا اختلفت أحواؤها وإذا كان شعر الحنين نوعاً من الفرار من الواقع الأليم ففي الماضي بشتى صوره عند الشاعر مندوحة للتخفيف من حدة برحائه وآلامه.

ونستشعر حقيقة المعاناة وتلهفه إلى الماضي مع ما فيه من مرارة في مثل قوله

ذكراك أشعلت الفؤاد حنينا

فانساب شعراً تارة وأنينا

أرنو إلى الأفق المنور علني

ألقى به خفْق الخطى يأتينا

وأظل أنشد للطيور ملاحناً

تحكي أريج الورد والنسرينا

كنا وكان العمر محض سعادة

واليوم ألوان الأسى يسقينا

يا ذكريات السعد طوفي واملئي

كأسي بفيض منك قد يروينا

كم ليلة قد كنتُ فيها فارساً

والحب من ليلاي كان مكينا

يا ليت شعري هل نعود فنلتقي

بعد التفرق والهوى يعطينا؟

وإذا التقينا هل تعود سعادة ؟

كم قال قلبي هاتفاً: آمينا

فالذكرى أضرمت نار حنينه وتطلعه إلى الماضي جعله يشدو حيناً ويبكي حينا يشدو لتلك السعادة، ويبكي على ما آل إليه الحال، ومع ذلك لا ينقطع رحاؤه فهو ما زال يرتقب عودة ذلك الماضي السعيد.

ويبلغ به الأمل منتهاه عندما ينادي حبيبته لتشاركه نظراته المتفائلة ثم يدعوها بعد ذلك إلى ما كان غائباً عنه في معظم قصائد حنينه يقول في القصيدة نفسها

تعالي تملأ الدنيا رواء

ونصدح بالغناء ولا نكفُّ

و نبسم إن بدا في الأفق غيم

فبعد الغيم وجه الكون يصفو

تعالي نملأ الدنيا حناناً

وفوق مرابع الإيمان نغفو

هذا هو عبدالله شرف الذي تتنازعه أحاسيس مختلفة فطوراً يبلغ به اليأس منتهاه فيخيم عليه بدياجيره، وطوراً يجنح إلى نظرة أكثر تفاؤلاً فيرضى بما هو فيه ويسلم الأمر إلى خالقه سبحانه، ليأخذنا معه إلى عالم أرحب وأفق مفعم بالإشراق والأمل.

وما الحنين الذي ينساق إليه طوعاً حيناً، وقسراً في أحيان أخرى إلا سبيل من سبل الخلاص التي يجد فيها راحته وطمأنينته، حتى لو كانت تلك الذكريات أشد وقعاً عليه من حاضره. 

ج- الشكوى : وبها يعبر الشاعر عن شعوره بالظلم أو فقدان العدالة أو السخط مثلما يعبر عن مطالبته بالإنصاف والعدل. 

وشعر الشكوى لدى شرف كثير التشعبات والمسالك فما إن تضع يدك على باعث تنفجر لأجله شكواه حتى تجد بواعث أخرى منها ما هو متصل بالباعث الأساس ومنها ما هو منبعث من روحه الوجلة التي قل أن تستقر على حال.

وعبدالله السيد شرف بهذا شاعر قلق يكشف عن معاناته مع القيود في وضوح شديد أملاً في الخلاص والانطلاق بعد أن طرحته عاهته قعيدا، وما عاهته تلك التي لازمته جسداً وروحاً إلا مثال قوي وواضح على ترسخ جذور الألم في نفسه مما جعل كل أنة يصدرها وكل دمعة يذرفها امتداداً لتلك المعاناة التي أطال فيها أنينه، وأكثر فيها شكواه ومن أجلها اختلق عوالم أخرى من المعاناة قد يظن البعيد عنها أنها مستقلة بذاتها عن أي معاناة وما هي في الحقيقة سوى رؤى مستنسخة من رؤيته الأم حول عاهته وإلا لما وجدناه في كثير من أشعاره يستلهم من عاهته الغزل والحنين، ثم يقر منهما إلى تأملاته للطبيعة ليستلهم منها نماذج يرى فيها الانطلاق والحرية.

تخلص من هذا إلى أن أبرز بواعث الشكوى في شعر شرف ما كان متصلاً بعاهته وقد تحدث عنها في قصائده ملقياً باللوم على زمانه الذي تركه مكبلاً بقيود سودت الدنيا في ناظريه، حتى أصبح عاجزاً عن كل شيء هكذا عبر عن حاله تلك في قصيدة حاور فيها لائمته العجول

أطيلي ما بدا لك في ملامي

فما أخشى الملام مع السقام

تحملت الأسى عمري فقلبي

تحصن في دروع من سهام

ألام وهل يُلام سوى زمان

تفنن في الخصام والانتقام

لقد أودى بما ملكت يميني

وقيدني ليكبح من زمامي

فالشاعر لن يجدي معه اللوم لأن المصاب في رأيه أجل من أن يخففه ملام، وهو يريد من لائمه أن يوجه ملامه إلى الزمان الذي أضاع أمانيه وحد من انطلاقاته.

وموقفه من زمانه ناتج عن صراع ثم يأس، فالشاعر يذكر أنه تحمل وصير ولكن الزمان لم يقدر له ذلك بل أصبح يتعامل معه تعامل المعاند، يقول في القصيدة نفسها

رأيت الدهر كبلني بقيد

تَغَلَغَلَ رغم سعيي للعظام

ولما طال صبري زاد غيظاً

وأمعن في العناد وفي الخصام

وأسلمني إلى نوم طويل

کشأن الطفل من قبل الفطام

يلحظ في هاتين المقطوعتين أن الشاعر ينظر للزمان والدهر نظرة الخصم للخصم وأنساه اليأس أن قضاء الله وقدره فوق نظراته تلك، ونحن وإن اختلفنا مع الشاعر عقدياً في نظرته للزمان والدهر نقف معه جنباً إلى جنب في معاناته التي قصر عنها علمه بحكمة الله سبحانه، ولم يعلم أنها هي التي صنعت من أساه ونجيبه أنغاماً شجية ربما لا يقوى على عزفها سواه.

إننا نرى في الأبيات السابقة نوعاً من التسليم الممزوج باليأس والأسف مقارنة بالمقطوعتين السالفتين، ولعل تأقلمه النسبي مع عاهته وعلمه بعجز الثوران عن تخفيف معاناته كان له أثر في هذه المسحة المعتدلة نوعاً ما في هذه الأبيات.

وفي أحيان ينظر إلى قيده نظرة واقعية، ويشكو من آثار عجزه حسياً لا روحيا فهو يتبرم من عجزه عن السير ويتضجر من ملل من حوله منه بسبب حالته يصف كل هذا في حديثه عن ركب مسافر فانه، ولم يستطع مشاركتهم السفر في قصيدة موكب الشعراء

هل عندكم في بهيم الدرب تعزية؟

زاد الشقاء وملّ الأهل والجار

يا موكب النور بعضاً من نضارتكم

ما في الطريق لنا نور ولا نار

بعض العزاء فإنا ليس يشغلنا

إلا حواجز تقصينا وأسوار

لولا الذي صار من قيد يُكبلنا

ما فاتنا الركب إن القيد جبار

فهو يلتمس من ذلك الركب مواساته في نفسه التي زاد عليها عناء النظرات من القريب والبعيد، وكذلك يرجو منهم عذره في ترك صحبتهم لعجزه عن ذلك بسبب قيده القاهر الذي حال بينه وبين صحبتهم.

وعقدة القيد كما استعرضت في شعر شرف تتنامى حيناً لتصل إلى ذروة الشقاء الروحي، ويهبط مستواها حيناً إلى حد المعقول لتدور في أطر حسية وتلامس الواقع الصحيح.

وهذا يعود إلى الحالة النفسية التي يمر بها الشاعر، فمن أفق إلى غور ومن قنوط إلى إعتدال.

و من عقدة القيد إلى عقدة التشاؤم والقلق، فقد يبلغ اليأس بالشاعر منتهاه فيشرد ذهنه إلى عالم الأوهام والأحزان ثم ينتقل إلى أقسى درجات الشك والحيرة، ويعيش في عالم الأموات ويتخيل أنه بين القبور تلمس هذا في حواره مع نديم له في قصيدته، يا نديمي

يا نديمي إن تعج يوماً على قبري ترحم

أو تجئ ذكرى أمانينا المواضي فتبسم 

كم سعينا نبلغ الآمال في الدنيا وننعم 

وانتهى عمري هباء فاطرد الأحزان واغنم

يا نديمي لم يعد في الكأس شيء من شراب

لم تعد إلا البقايا لم يعد إلا السراب 

فاترك الذكرى تخفف بعض أوهام العذاب

ولتزر قبري لعلي من سنا رؤياك أنعم

لقد كان الشاعر في عالم آخر يصارع فيه نفسه، وما أفاق من تلك الغيبوبة حتى بدت معالم الحيرة في قصيدته التي يشيع فيها الحزن والتشاؤم بالرغم من دعوتها للتماسك والصلابة. 

وقد خيلت له تلك الحيرة بإيحاءاتها أنه في عالم الأموات فراح يطلق شكواه المرة ويبوح بالامه التي تقل عنها صدره المحمل بأنواع الهموم ناعياً أمانيه التي ضاعت بين الخوف والحرمان.

وهو بين اليأس والحيرة يدعو نديمه إلى التماسك ويطلب منه أن يأخذ من حياته عبراً قد تجنبه تجارب مريرة كتجاربه التي عاناها وهذا الانتقال من حديث الذات إلى حديث النديم وتوجيهه يمكننا أن نستشف منه سيطرة المشاعر الحانية على أنين الشاعر الباكي، مما غلب جانب العطف والرحمة على جانب البكاء والشكوى في بعض مقاطع القصيدة.

وتطول به الشكوى في مواقف أخرى عندما يطلب منه اللوام البعد عن اليأس، والتخفيف من الشكوى متجاهلين حاله ودواعي شكواه، كقوله

أنا الجوعان والعريان

والمشحون بالصمت 

أقضي الليل في ألم 

أجالد بالرضى موتي 

شكوت فقيل: لا تيأس

وَأَشْعِلُ بالرِّضَى المصباح

يغدو الكون أنواراً 

ويسري الدفء في البيتِ

وكيف أضيء مصباحي

و مصباحي بلا زيت

إجابة مقنعة لشاك مثله إذ كيف يواجه آلامه تلك، ويخفف من شكواه المرة بعد محاولات اعتراها الإخفاق؟ وكيف يستطيع إضاءة مصباح تفاؤله ومصباحه بلا زيت؟ ومن ضروب الشكوى في شعر شرف الشكوى من الغرام والهوى فما يفيق من سكرات الحب إلا ويجد قلبه محطماً وروحه ذابلة.

وقد يمزج أحياناً في شكواه بين طبيعة الهوى وما فيه من معاناة وظلم مالكة هواه له كقوله

يا حبيبي أين أيام ملأناها نعيما

وأذعنا حبنا أنشودة تجلو الغيوما

حبنا هذا الذي روّى من العطر النسيما 

هل تذكرت الأماني؟ كلها أضحت هشيما 

كلها لم تبق حتى لمحة في البعد تسبي

يا بهي الحسن يا سحراً عن الأحلام ينبي

يا أخا الآمال كم أسرفت في هجري وحربي

يا رفيق العمر إني لم أزل أحيا بدربي 

زورة تحيي الأماني جن بالأشواق قلبي

لا وداع يا نعيم الروح يا نوري وحسبي

وفي واحدة من شكاواه يوجه خطابه إلى ذلك القلب طالباً منه الهدوء والاستقرار بعد أن أثبتت له الأيام أنه عاجز عن غلابها، يفصح عن هذا في قوله

أما أن يا قلب أن تستريح

وأن تستقر على مرفأ

توالت عليك خطوب الحياة

وسارت خطاك إلى الأسوأ

فيا قلب ودع بقايا الرجاء

وودع حياتك أو فارجئ

تشكيت عُمْراً فماذا أفدت

فبح ما بدا لك أو فاخبإ

وناديت دوماً ألا من يجيب

فعزّ الشفاء كما ترتئي

فماذا إذن؟ قد فقدت المعين

وتدنو المنية فاستبرئ 

وراجع حياتك واطو الكتاب

على أمسك الحالم الأضوأ

لقد أسلمته مرارة شكواه إلى اليأس، وماذا أفادته شكواه وقد كان لا يفتر عنها؟ يسائل قلبه عن ذلك ليمسك ما بقي له من طيوف الأمس الجميل ليعيش على صداها باقي أيامه.

ولكن خوفه المستمر وانعدام ثقته في زمانه يجوزان به مرحلة اليأس إلى ما بعده فيخاف من القادم الأسود ويفصح عن ذلك الرعب في آخر بيتين من القصيدة السابقة

لقد غاب نجمك دون النجوم

فيا ليت شعري من منبئي

بما يحمل الدهر بعد المشيب

وماذا يُخبئ لي موطئي

وتطول به الشكوى حتى تنعدم ثقته في شكواه، فيشكو الشكوى ويبكي نفسه بكاء العاجز عن البوح الذي كان يأنس ببوحه عندما يهمس به في أذن ضميره، يقول

على الآلام كم عشنا سنينا

نطاولها ونحيا ظامئينا

وكم آثرت أن أحيا وحيداً

أداري في الأسى جُرحاً مكينا

ولم أجد الهناءة في زماني

وكيف ولم أكن إلا طعينا

فقدت على الشباب سنين فرحي

وعشت أطالع اليأس المبينا

وطال الهم والأيام ترمي

مصائبها ولا ألقى معينا

وكنت إذا شكوت مصاب قلبي

وجدت الدهر زاد لي الشجونا

ومن شكوى زمان نازعه سنين أنسه فتركه ظامئاً لا يعرف للهناء طعماً، ينتقل بشكواه تلك إلى شكوى من نوع آخر ولكنها شكوى أكثر اعتدالا وطالما باح بها الشعراء ومع ذلك لا يعفى الزمان منها لأنها مسألة إنصاف وتقدير كما يراها في أبيات من قصيدة، غربة الأديب

هي الأيام شيمتها العناد

وديدنها التعنت والفساد

تروح على بنيها بالأماني

وتغدو والشقاء لها حصاد

تخادعنا لنضحك ثم نصحو

على وهم يضيق به الفؤاد

ثم يسمو بشكواه عن البكاء والأنين مثبتاً مقاومته وصبره في شموخ لم نعتده في شعر الشكوى يقول وقد تمثل غربته في العالم الكبير، واصفاً مواجهته صلف الحياة وشظف العيش

غريب في الديار ولا رفيق

وحيد في المقام ولا ودادُ

وكم ضاقت عليه سبيل عيشٍ

فلم يحفل وظلّ هو الجوادُ

نتيجة لما سبق من استعراض لأبرز ضروب شعره الوجداني الذي مثل غالبية شعره المطبوع والمخطوط نصل إلى أن الشاعر في وحدانياته تلك ينطلق من مأساته الخاصة المتمثلة في عاهته، وقد صور من خلالها عوالمه المختلفة آسياً على حاله وباكياً طموحاته التي طالما رنت إليها روحه الطليقة فصورها في أشعاره تصويراً ماثلاً بين أسطره حينا، ومتوارياً أحياناً خلف حروفه الثائرة.

تلك العاهة التي منعته الانطلاق الحسي لم تمنع مشاعره انطلاقات أخرى، ليعوض في نهاية المطاف عن أسره الثقيل الذي عاناه طويلا، وقضى نحبه وهو بين قيوده.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...