في العدد ۷۷۳ من صحيفة ٢٦ سبتمبر، الصادرة يوم الخميس ٣٠ جماد الأول ١٤١٨ هـ الموافق ۲ اکتوبر ۱۹۹۷م، كان قد كتب الدكتور عبد العزيز المقالح مقالاً عن الطبعة الأولى من هذا الكتاب بعنوان : إشارات، صور من نضال الوطن في كتاب شهادة من الريف، جاء فيه: ربما كان أول كتاب معاصر يؤلفه مواطن من الريف ومؤلف الكتاب النقيب علي بن علي الرويشان تنطبق عليه صفة الريفية كما لا تنطبق على أحد ممن مارس كتابة الشعر والنثر، فقد داوم صلته بالريف ولم ينقطع عنه كما فعل آخرون من الذين استطابوا العيش في المدينة وانقطعت صلتهم بالريف إلا في المناسبات.
يضاف إلى ذلك أن النقيب علي بن علي الرويشان مؤلف هذه الشهادات الريفية، لم يتلق أية دراسة منتظمة في الريف أو المدينة وإنما أنضجته الأحداث واعطته الأيام من الحكمة والمعرفة والتجارب ما لا تعطيه الكتب والمدارس.
ومن قال إن المعرفة لا توجد إلا في الكتب، ولا يتم التوصل إليها إلا عن طريق المدارس، وهذه الحياة كتاب مفتوح يزخر بأنواع المعرفة لمن يريد أن يتعلم ويفهم وينافس بكتاباته وبأفكاره، أفضل ممن يكتبون من الباحثين وحملة الشهادات العالية وهل كانت المعارف في كثير من العصور إلا تحصيل ذاتي تتدفع إليه النفوس التواقة إلى اكتساب العلم ومعرفة الأشياء، وهذا ما يؤكده هذا الكتاب ومؤلف الكتاب وما يستخلصه من سيرته الذاتية المتداخلة مع سيرة أكبر وهي سيرة شعبه المسافر نحو آفاق جديدة.
الكتاب بعنوان: شهادة من الريف، ومؤلفه النقيب علي بن علي الرويشان، واحد من الجنود المجهولين الذين عاشوا معارك الوطن وهمومه السياسية والاجتماعية على مدى ستين عاماً، فقد بدأت حياته العملية في الأربعينات من القرن العشرين ۱۹۰۱ - ۲۰۰۰ وفي منطقة البيضاء، عندما كان مرافقاً لعمه وأبيه الروحي النقيب صالح بن ناجي الرويشان، الذي تسلم فيما بعد محافظة البيضاء وكان من أشد المناهضين للوجود الاستعماري في جنوب الوطن ثم أصبح واحداً من المدافعين البارزين عن الثورة والجمهورية إلى أن وافته المنية وهو مرابط في أحد المواقع المهمة بالقرب من العاصمة المحاصرة صنعاء.
في هذا المناخ عاش مؤلف الكتاب واتسعت مداركه واقترب من أهم الأحداث ومن أهم الشخصيات وتولى كثيراً من المناصب الحكومية المرتبطة بالريف، وفي كتابه هذا لم يستخدم نظام الفصول والأبواب أو الأقسام وإنما اختار نظام الموضوعات لكل موضوع عنوان وقضية ولا ينتهي من الموضوع حتى يستقصي أبعاده ويلم بأطرافه سواء كان الموضوع عن قضية سياسية أو اجتماعية عن العادات والتقاليد، أو عن الأعراف القبلية أو الأمثال العرفية أو الشخصيات وللأشعار الشعبية في الكتاب نصيب وافر، ولكل قصيدة أو بيت أو مقطوعة حكاية لا تقل في جمالها عن جمال القصيدة أو البيت.
وقد خرج الكتاب إلى الناس بلغة لا تكلف فيها ولا افتعال وبأسلوب دقيق أمين قادر على إيصال ما يريده إلى القارئ وأن يكون في هذا الإيصال صادقاً مع نفسه ومع القارئ وأعتقد أنه نجح إلى أبعد مدى في توصيل أفكاره، وفي جعل القارئ يتفاعل مع كل القضايا التي تناولها وبعضها جديد على القارئ وربما يقف عليه لأول مرة وقد أثبت المؤلف في كتابه هذا حضوراً موهوباً، وهذا الكتاب لا ينحصر ما ورد فيه على الريف فقط بل يتعداه إلى المدينة، وكأنه شهادة من الريف ومن المدينة ، لأنه يسجل خلاصة ما رأت عيناه وعايشه في الريف والمدينة وهو بذلك يقدم خدمة رائعة للوطن وللثقافة والتاريخ خدمة لا تقف عند الأوضاع السياسية بل تتعداها إلى الجوانب الاجتماعية ومن موقع الفهم التام والمعايشة الشاملة لا من موقف النقل والرواية، فقد عاش الجزء الأكبر من حياته في قلب الريف واحداً من أبنائه العارفين بالتقاليد والأعراف والأمثال والأشعار كما كان على صلة حميمة ووثيقة بالمدينة سواء المدينة الريفية كالبيضاء والمحويت وجحانة أو المدينة الحضرية كصنعاء وإب وتعز وغيرها.
ومن هنا تأتي أهمية شهادته أو بالأصح شهادتيه الريفية والمدنية.
يبدأ هذا الكتاب بمقدمة قصيرة أوضح في مطلعها أهمية الريف اليمني وما يختزنه من كنوز ونفائس، لم يقترب منها سوى عدد قليل من الباحثين والمثقفين ثم عرج بعد ذلك إلى الحديث عن كتابه في تواضع العلماء وحرصهم على إقناع القارئ بأن ما يقدمونه إليه ليس بالزاد الوفير، ومن هذا المنطلق يقدم النقيب علي بن علي الرويشان تعريفاً طريفاً لكتابه حرصت على إيراده في نهاية هذه الإشارات، يقول التعريف: ولعدم معرفتي بالقواعد المتبعة في كتابة وتأليف الكتب، فما أنا ومن يقرأ كتابي هذا إلا مثل ذلك البدوي الجالس محتبياً في فناء أمام خيمته المصنوعة من صوف الغنم، أو مثل ذلك الريفي الطيب المستلقي تحت ظل شجرة يحدث شخصاً ما عن حياته وعاداته وتقاليده، يحدثه عن مواضيع متعددة، يحدثه عن خليط من العادات والأعراف والتقاليد، ينتقل به من الحكاية الشعبية إلى الزامل، ومن عادات الزواج والموت، إلى حياة البدو الرحل، يطوف به من خولان إلى البيضاء إلى الجوف إلى المحويت إلى غيرها من مناطق اليمن، ثم ينتقل ليحدثه عما سمعه وشاهده من أحداث سياسية واجتماعية وكيف أدرك تلك الأحداث وعايشها وحلل نتائجها، ولكن ببساطة البدو الرحل وطيبة أهل الريف.
إن هذا التعريف الطريف الدقيق الذي يكشف عن تواضع المؤلف يثبت ولا ينفي، أن هذا الكتاب واحد من الكتب التي تكشف بوعي عميق جوهر الريف وروح القرية اليمنية بكل ما تحفل به من طيبة وذكاء وحذر وشجاعة واستعداد لمواجهة تقلبات الزمان.
المقدمة؟
اليمن كما يعرفه الكثير غني بثقافاته المتعددة النابعة من تنوع البيئة اليمنية ذاتها، والريف اليمني في مختلف مناطق اليمن بما فيه من ثقافات وأفكار، هو ذلك الكنز الذي يحتوي على نفائس عجيبة، لم يكتشفها إلا القلائل من الباحثين والمثقفين الذين هم أكثر علماً وثقافة مني، ولأني لا أدعي أنني أحد هؤلاء الباحثين، ولعدم معرفتي بالقواعد المتبعة في كتابة وتأليف الكتب فما أنا ومن يقرأ كتابي هذا إلا مثل ذلك البدوي الجالس محتبياً في فناء أمام خيمته المصنوعة من صوف الغنم، أو مثل ذلك الريفي الطيب المستلقي تحت ظل شجرة يحدث شخصاً ما عن حياته وعاداته وتقاليده، يُحدثه عن مواضيع متعددة، يحدثه عن خليط من العادات والأعراف والتقاليد، ينتقل به من الحكاية الشعبية إلى الزامل ومن عادات الزواج والموت إلى حياة البدو الرحل، يطوف به بين خولان والبيضاء والجوف والمحويت وغيرها من مناطق اليمن.
ثم يرجع بعد ذلك ليحدثه عما سمعه، وشاهده من أحداث سياسية واجتماعية وكيف أدرك هذه الأحداث؟ وكيف عايشها ؟ وكيف حلل نتائجها ؟ ولكن ببساطة البدو الرحل، وطيبة أهل الريف.
هذا الكتاب الذي قررت جمعه وطبعه لا أعرف كيف أسمي محتوياته ؟ هل هي مذكرات شخصية ؟ أم دراسة اجتماعية وسياسية ؟ أم أنها خليط من هذا كله، أم أنها مجرد أفكار.
نعم إنها أفكاري التي جمعتها الذاكرة، وهكذا أفضل أن أسميها، وأن يُسميها غيري حتى ولو كانت في حقيقة الأمر خليط من المذكرات الشخصية والأفكار الخاصة والدراسة الاجتماعية.
ولن تعرف أن أفكارك جيدة إلا إذا قرأها أو سمعها أو حكم عليها غيرك، ولن تتضح لك الحقائق عما يدور في رأسك إلا إذا تناول الناس بمختلف اتجاهاتهم ومشاربهم وثقافاتهم ما قلت لهم أنه يدور في رأسك، وهآنذا أطرح في هذا الكتاب ما عندي من أفكار.
وكتابي هذا كان لي عندما كانت أفكاره في رأسي وكان لي أيضاً عندما كان في مسودته الأولى في خزانتي الخاصة، أما بعد أن قررت جمعه وطبعه ونشره، فلم يعد لي وحدي لقد أصبح لكل الناس، وهذا هو ما أريد.
وأنا الذي لم يلتحق بمدرسة نظامية، ولم يتخرج من جامعة، فكل مؤهلاتي أنني درست في مدرسة الحياة وتخرجت من جامعة إيماني المطلق الثابت في قرارة نفسي، بأن كل ما كتبته ليس بدافع المجاملة أو النفاق السياسي.
وإذا قدر لكتابي هذا أن يقرأه أحد فليثق ذلك القارئ أن لدي الاستعداد الكامل لتلقي النقد والاعتراف بالخطأ إذا ما اتضح لي الصواب عقلاً ومنطقاً، ولكن ليعذرني القارئ الذي يكتشف بحدسه أو بثقافته ما يعتقد أنني قد اخطأت طرحه أو تقديره فما أنا، وكما أسميت كتابي هذا إلا ذلك الريفي البسيط الذي سمع، أو شاهد أو عايش بعض التجارب والأحداث، فأتى يدلي بشهادته أمام التاريخ والوطن والأجيال القادمة وقبل ذلك وبعده، أمام ضميره مستر شداً بطيبة ونقاء وصدق أهل الريف.
الكتاب كالطفل تتولى أنت تربيته ورعايته وتبدأ في إخراجه للناس شيئاً فشيئاً من خلال الأفكار التي يتضمنها، فإن سمعت عنه نقداً خفيفاً هذبته وإن سمعت عنه أكبر من ذلك أدبته، وإن سمعت عنه خيراً رفعت صوتك عالياً وأنت تفاخر به.
وهذه هي قصتي مع الطبعة الثانية من هذا الكتاب، وقد وقفت طويلاً أفكر فيما أكتبه في غلاف هذا الكتاب من جديد، فالمتعارف عليه أن الكتاب إذا نَفَقَ من السوق تم بيعه سريعاً فإنه يطبع من جديد ويكتب على غلافه الطبعة الثانية، وأنا لا أعرف شخصياً أي معلومات أو أرقام عن عدد طبع من الكتاب، وما تم بيعه أو توزيعه، ولست حريصاً على معرفة ذلك وكل ما يهمني أن عدداً من الذين أعرفهم كانوا قد قالوا لي أنهم بحثوا عن الكتاب في المكتبات ولم يجدوه.
قصتي الثانية مع هذا الكتاب تتلخص في أن الكاتب الذي يكتب انطلاقاً من تفكيره الشخصي وثقافته المستمدة من صمت وهدوء وصلابة الريف اليمني، ومن تقاسيم الحياة بآمالها وآلامها، فلابد أن تتحكم فيه اللحظة التي كتب فيها، والتي يمكن اعتبارها لحظة الفكرة، ولا بد أيضاً أن يكتشف مع مرور الزمن واستمرار تقليب الذاكرة أن تلك الفكرة لم تكتمل وأن تلك الحكاية لم تشتمل على ما كان يريد الحديث عنه في كتابه، وليس هذا فحسب بل إنني أتحدث أحياناً مع أولادي وأصدقائي بحكاية أو قصة أو مثل أو زامل، ويقولون لي : لماذا لم تورد ذلك في كتابك وأكتشف بعد فوات الأوان أن ذلك كان يجب أن يرد بالفعل.
هذه هي قصتي الثانية مع هذا الكتاب، وسوف أظل محتفظاً بحقي في أن أفكر وأكتب وبالمقابل أيضاً فإنني أدرك جيداً أن من حق الآخرين أن يرفضوا أو يعترضوا أو ينتقدوا ما وضعته بين أيديهم من أفكار، ما دام أنني قد قدمته لهم بملء رغبتي وبمحض إرادتي.
البداية؟
في أسرة فلاحية وقبلية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأرض وفي قرية المقطوع التابعة لعزلة اليمانية السفلى مديرية جحانة محافظة صنعاء، ولدت في يوم لا أعرف تاريخه بالتحديد غير أنني اخمن أنه كان قريباً من العام ۱۹۳۰ م أو ما قبله بقليل، لأنني حينما قتل الإمام يحيى حميد الدين عام ١٩٤٨م، كنت شاباً يافعاً أحمل السلاح وأذهب مع من يذهبون إلى الحرب وأحضر المواقف القبلية وأحاول فهم واستيعاب ما يقوله الحكماء وأصحاب الرأي حين يناقشون تفاصيل تلك المواقف.
والدي كان أشهر إخوانه وأبناء عمومته ارتباطاً بالأرض وزراعتها كان رجلاً مهيباً فارع الطول بداه وقدماه بلون تراب الأرض والتجاعيد والشيب زاراه قبل موعدهما وهو في الثلاثين من عمره، تركني أنا وأخي حفظ الله وأختين وذهب إلى جوار ربه وأنا لم أبلغ العاشرة بعد، كنت يتيم الأب وأنا لا أزال طفلاً.
غير أن أمي هائلة بنت صالح بن صالح بن علي بن سهل الهيال، كانت هائلة فعلاً كاسمها، ترملت علينا نحن الأربعة ونحن صغار لم نبلغ الحلم بعد عاشت لبيتها وأطفالها وذكرى زوجها بصمت وصبر عجيبين كَدَّت وتعبت وعانت وذاقت الأمرين وهي التي كانت من أسرة آل علي بن سهل الهيال، التي ترجع أصولها إلى قبيلة بني جبر الخولانية ومنها إلى قبيلة بني هلال اليمنية المشهورة والتي لا تزال مرابط الخيل شاهدة على ثرائها في حصونهم في وادي هروب حتى الآن،كانت أمي تصنع ما يكفي من الطعام لأطفالها وتربط بطنها بحجر حتى لا تشعر بالجوع تصوم ثلاثة أشهر متتابعة رجب وشعبان ورمضان وتختتمها بستة أيام من شوال، كان سندها ومعتمدها الوحيد البقرة تسني وتزرع وتحصد وتطحن وتطعم البقرة ولا هم لها في الدنيا إلا توفير الطعام لأولادها ولضيوفهم أياً كانوا ومن أي مكان قدموا.
إنعدم الطعام في منزلها ولم تجد ما تقيم به أودهم ولا ما تسد به رمقتهم، خافت أن يحرجها أطفالها أمام إخوة وأقارب زوجها المتوفي ليس لديها إلا السمن، البقرة هي الدعامة الوحيدة التي لا تزال واقفة في بيتها أخذت وعاء من الفخار وملأته بالسمن ووضعته في التورة؟ وهي وعاء كبير من القش، وحملتها على رأسها وتوجهت إلى قرية مجاورة مع خيوط الفجر الأولى إلى أحد كبار المزارعين وقالت له اعطني حبوب بدلاً عن هذا السمن.
أي نوع تريدين من الحبوب؟
من كل ما لديك: حفنة من الحنطة وحفنة من الذرة وحفنة من الشعير.
عادت مع شروق الشمس وطحنت كمية مختلطة وصنعت أقراص الخبز وقدمتها لأولادها وهم لا يعلمون أن أمهم قد قطعت حوالي عشرة كيلو متر، لإحضارها لهم قبل أن يصحو من نومهم.
هذه أمي التي حملت عبء الحياة، وفاء لأبي ورأفة وعطفاً بأولادها الصغار تفلح الأرض وتسقي الزرع وتحصد المحصول وتدير شئون بيتها بكل كفاءة واقتدار.
حرصت أمي، ونجحت في أن تتولى مسؤولية الأب والأم معاً ألحقتنا بكتاب القرية، المدرسة وقامت هي بجميع أعباء البيت والزراعة، وحتى ذلك الحين كان التعليم ينحصر في قراءة القرآن وأداء الصلاة وتعلم الخطوات الأولى للقراءة والكتابة.
كان عمي، ابن عم والدي صالح بن ناجي الرويشان ووالده يقيمان في إب ومن بعد ذلك في البيضاء، تبعاً للوظائف الحكومية التي توليا مسؤوليتها وكان عمي يحيى بن ناجي شقيق صالح بن ناجي هو القائم بأحوال القبيلة في خولان اتصالاً وتواصلاً بالقبائل واستقبالاً للضيف وإسهاماً في حل القضايا وإصلاح ذات البين في منطقتنا وما جاورها.