توظف نصوص التراث مصطلح السرقة للتوسل به إلى اقتراح أنموذج قراءة خاص بعيار الشعر، فهو ممارسة إبداعية لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعى السلامة فيه، وهو في أن ليس من كبير مساوئ الشعراء وبخاصة المتأخرين، إذ كان هذا بابا ما تعرى منه متقدم ولا متأخر، ونستطيع أن نطلق على هذا الضرب من التداخل اسم التناص لأنه يبحث عن إعادة إنتاج أعمال شعرية بأعمال شعرية مشابهة والقراء الذين يبحثون على حد تعبير أبي هلال عن وسيلة تواصل لا يمكن أن يحصل القصد من أي خطاب لغوي بدونه انطلاقا من تأمل مخزون ذاكرة الشعر تلزم الشعراء تناول معاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم إنما يبحثون في الواقع عن تأويل مضمر لنوع من التعالق يقر بأن كل نص هو تناص، والنصوص الأخرى تراء فيه بمستويات مختلفة، وبأشكال ليست عصية على الفهم بطريقة أو بأخرى، إذ٢ نتعرف فيها على نصوص الثقافة السالفة والحالية فكل نص ليس إلا نسيجاً من استشهادات سابقة، وتمثل التأثيرات الشعرية والنقد المصاحب لها فرضيات تسهم بقدر متفاوت، وبصيغ مختلفة في تشكيل درجة من التفطن إلى تفاعل صريح مرة وغامض أخرى يرى في كل شاهد شواهد شعري وشعرية.
وبهذا الصدد فإن الإحالة إلى السرقة بوساطة هذا القول المجازي: السرق داء قديم وعيب عتيق وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته ويعتمد على معناه ولفظه مفعلة بالكشف عن ملاحظتين أساسيتين:
أولاً : يقتضي وسم السرق بالداء القديم والعيب العتيق التشديد على الامتياز الذي تتمتع به الأشعار المتفق على جودتها وتقدم أصحابها في صناعتهم في مقابل صعوبة قبول الشعر الرديء، وتفترض هذه المقابلة عادة أن يكون الشعر التقليدي كيفما كان نوعه معياراً، ويكون الشعر الحداثي كيفما كان، ونوعه حاصل عنصرين
١- إما أن يبرز عمق التجانس بينه وبين النص المعيار.
٢- وإما أن يكون تقليداً رديئاً له.
وفي الحالتين معًا فإن الناقد العربي القديم سيقدم اعتقاده القبلي بأن الشعراء المحدثين عالة على غيرهم إن قالوا حسنا فقد سبقوا إليه وإن قالوا قبيحا فمن عندهم، وهكذا يظهر أن النص الشعري التراثي بقدر ما يحقق هويته الخاصة ويحسن استقلاله ينزع النص الشعري الحداثي نحو الاستعانة بطقس التجربة الشعرية ذاتها وينغرس إيجاباً أو سلباً في مكوناتها ووظائفها.
ثانياً : إذا توقف الشاعر عند حدود التقليد فإنه بذلك ينافس الشعراء منافسة لا جدوى منها لأن اتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز.
ومن هنا يعتمد الشعر التقليدي كما يعتمد الشعر الحداثي الذي يعد استمرارية طبيعية له على التناص وقراءة النص الشعري يجب أن تؤلف بين خاصية النص الجدير بالتقديم والتفضيل وبين التمسك بحرفية هذه الخصائص النابعة من هذا التوقع سواء كان ما نتوقع معنى منصوصاً عليه في العرف والتقاليد أو صيغة من الصيغ الغرضية التي عبر بها عنه.
وأيضاً تكون درجة الموافقة في تشكل المضامين الشعرية ودرج الاستعارة من التعابير السابقة فإن تأثير النص الشعري الظاهر في النص المولد إنماء يبرر ويسوغ أكثر مما يشرح ويفسر، وإن الشاعر بعد أن يمر بتجربة من التجارب الشعرية لا يظل تماماً حبيس التجارب الشعرية السابقة، وإنما يقوم ضمنها فقط بالتخلي عن فكرة استقلالية التجربة الشعرية الجديدة وبين هاتين التجربتين نستطيع أن نجد جميع درجات التفاوت بين قصيدة وأخرى، فنحن حينما نتحدث عن التقليد أو التعاقب الأدبي، فإننا نتخيل بصفة عامة وجود خط مستقيم يصل خلف فراغ أدبي ما بسلفه، ومع ذلك فإن الوضعية هي أكثر تعقيداً فليس الخط المستقيم هو الذي يستطيل بل تشاهد عملية انطلاق تنتظم بدءاً من نقطة معينة يتم دحضها، وإن كل عاقب أدبي هو قبل كل شيء معركة تحطيم كل موجود سلفا ولإقامة بناء جديد انطلاقا من عناصر قديمة.
إن وصف نزعة تقليد قديم كواقعة وأسلوب لاستثمار طريقة في الاستعانة يقتضي إعادة بناء تناص اللغة تناص النصوص الشعرية أو افتراضها انطلاقا من الخلفية اللسانية الشعرية بشكل عام وبلاغة الشعر الجاهلي بشكل خاص، وبمعنى آخر فإن هذا التناص هو دائما متضمن بوساطة درجة متعالية من التفحص في ميولات تجديدية تخض ابتداء شعر امرئ القيس فهو كبيرهم الذي يقرن بتقدمه، وشيخهم الذي يعترفون بفضله، وقائدهم الذي يأتون به، وإمامهم الذي يرجعون إليه.
يتعين تقدير نسبة الاقتران في حدود الامتياز الذي تم بوساطته توظيف المصطلحات المؤدية عن جانب من جوانب التجلية القصيدة كامتصاص وتشرب كنسخ وتقليد لمضامين سابقة أو معاصرة، وقد جرى الحسم فيها بالعودة إلى أنموذج النص الشعري التراثي فالذي يؤثر في ذهن القارئ كان أحيانا على قدر من البساطة الدرجة أنه لا يرغب في إدراك عملية الاستيعاب دون ربطها بزمان ومكان محددين.
ومن هنا أصبح الوصول إلى وصفة عامة أو قانون عام للشعرية سبيل معرفة تحتم ضرورة وصف جميع طرائق شعر امرئ القيس وطبقته ونظرائهم في أزمنة لاحقة، وقاعدته البلاغية في الاستدلال أن هذا الشعر صورة ناضجة كاملة النضج، قبل أن تتصل الثقافة العربية بغيرها من الثقافات، ومن ثم عد الأدب الجاهلي أعلى قمم الشعر العربي على الإطلاق، وأن النص اللاحق غير قابل للفهم والإدراك خارج بلاغة هذا الشعر الكلية، وتأويل ذلك يتم تدعيمه بوساطة مفاهيم محددة للمجال التناصي بغض النظر عن زمان النص المسند إليه أو مكانه لأنه:
1. ليس المعنى في غرض شعري ما سوى نتيجة من نتائج الاشتراك في البيت الواحد والدار الواحدة والجزيرة الواحدة، والتشبث بأخلاق متفقة والانتماء إلى مجتمع ذي علاقات متشابكة في المناسبة التي بنيت على غريزة التربة وطباع الهواء والماء فهم في ذلك شيء واحد في الطبيعة واللغة والهمة والشمائل والمراعي والراية والصناعة والشهوة، ومن شأن هذه في مجموعها بالإضافة إلى القبيلة الواحدة والأرض الواحدة أن تختصر المسافة بين الفرد والجماعة فهي التي تثير سؤال تحديد درجة تقارب الخواطر وتضارع الأخلاق والشمائل في هذا العمل الشعري أو ذاك، وهي مصدر التجربة المشتركة وملاذ إشباع الحاجة وإرضاء الرغبات بما يمليه عليهما وجودهما المجتمعي وحسب ما يوحي إليهما نمط الممارسة المجتمعية.
الأمر الذي دفع العرب إلى أن تفرض على الشعراء الذين هم أفضل من يمثل الجماعة مضامين تجسد سيرورة الغرض الشعري عبر الزمان والمكان، وأصبح من واجب كل شاعر أن يقتفي أثر قيم ليست في المحصلة النهائية سوى مظهر من مظاهر الدور الذي يلعبه الوعي بدور التفاعل الثقافي والتأثير الاجتماعي في تداول المعاني والأشكال، وكيف أن البيئة الاجتماعية والطبيعية تنشئ معاني متقاربة.
ومن هنا جاز لهم الاعتقاد بوجود بين مختلف النصوص الشعرية حقبة تاريخية إثر حقبة تاريخية أخرى قاسم مشترك، هو قاسم الهوية المشتركة وأن العمل أو العلامة لا تمتلك هوية منعزلة أو منفردة وإنما تعيش وابتداء من نسق علاقات يشتمل على معايير القارئ والقيم التاريخية الاجتماعية، بوصفها عناصر لبنية الدلالة
2. من المتفق عليه في الشعرية التراثية أن العادات والأعراف مستخلصة في مجموعها من تجربة الجماعة التي يتكلم باسمها الشاعر وجلي أنها ثقافة مرجعية مشتركة يجب التذكير بها مرة تلو أخرى، وليس بين مواقف النقاد مواقف تستدعي الثبات أقدر على تفسير الرغبة الملحة في السير على خطى حسن أنتج في زمن سابق من إيمانهم بمبدأ العودة إلى الأصول، وأنه امتياز تحظى به ابتداء الشعرية التراثية، قال أحمد بن أبي طاهر: كلام العرب ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من والمبتدع منه والمخترع قليل، إذا تصفحته وامتحنته والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين والمتأخرين لا يسلم أن يكون كلامه أخذا من كلام غيره وان اجتهد في الاحتراس، وتخلل طريق الكلام وباعد في المعنى، وأقرب في اللفظ، وأفلت من شباك التداخل، فكيف يكون ذلك مع المتكلف المتصنع والمعتمد القاصد.
قال وقد رأينا الأعرابي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يروي ولا يحفظ، ولا يتمثل، ولا يحذو، ولا يكاد يخرج كلامه عن كلام قبله، ولا يسلك إلا طريقه وقد ذللت له.
ومن ظن أن كلامه لا يلتبس بكلام غيره فقد كذب ظنه، وفضحه امتحانه، ولو نظر ناظر في معاني الشعر والبلاغة حتى يخلص لكل شاعر بليغ ما انفرد به من قول، وتقدم فيه من معنى، لم يشركه فيه أحد قبله ولا بعده، لألفى ذلك قليلاً معدوداً ونزراً محدوداً.
من الواضح أنه لا يوجد نص واحد يستقل بنفسه عن عدد من النصوص الممتدة في مخزون ذاكرة مبدعه، وإذا كان الالتباس خطاباً قد يخفي مصدره، فإن التصفح والامتحان يساعدان على استرجاع هذا المصدر، وما دام الأخذ أمرا لا مفر منه في كلام العرب، فهو مسنن دائماً، إما بكيفية تفصح عن اجتهاد في التصرف أو متكلفة متصنعة ومتعمدة مقصودة، وتقوم لعبة الالتباس عند ابن أبي طاهر عبر التوظيف العجيب الطريقة في التحويل والتقليب من حالة التلبس إلى حالة الاجتهاد في إخفاء هذا التلبس بتلمس العون مما يتصور إليه في القول بانفراد الشاعر في المعنى والتقدم فيه، فمما يعرف باسم شباك التداخل حين يتم تطبيقه على نصوص هذه الفئة يدل على أن الكفاءة الشعرية هي كفاءة تولد وتزدهر في ظل عدد غير محصور من الأعمال الشعرية السابقة أو المتزامنة، ومن هنا يصبح الحديث عن النص هو حديث عن سلسلة هرمية تصاعديا من أعمال شعرية توحي بأن كل نظام له ماضيه ومستقبله كجزأين لا يتجزآن من النظام العام للشعر، ذلك أننا إذا رجعنا إلى مثال التناص نعاين المفاهيم البلاغية العديدة التي وظفها العرب مثل السرقات، والأخذ، والاقتباس، ويمكن أن يتضمنها هذا المفهوم جميعاً، ويعطيها أبعاداً جديدة، تبعاً للسياق الذي تتشكل في نطاقه، ومن هنا يجوز الاعتقاد في تفطن ابن أبي طاهر إلى ماهية التجلي التناصي، فهو وحده الذي يفسر ما ذهب إليه بارت من أن الأدب ذاته لم يكن أبدا سوى نص واحد وأن كل نص فيه آثار سابقة لغيره، إن التفوق الشعري ليس مجرد ممارسة إبداعية متولدة عن الموهبة الشعرية، وإنما هي أيضا ممارسة لا تتم وفق طريقة مندرجة معلومة، ولا بمحاكاة إرادية وإنما وفق طريقة متشعبة.
لا يصعب علينا في البلاغة النقدية أن نفسر لماذا كانت النصوص الشعرية البالغة الجودة من النصوص التي يمكن تحديد مسارها وفق مجال إبداعي مسيج بنصوص شعرية سابقة، فتفسير ذلك يكمن في هذا القول المجازي لميشال بوتور إن كل إبداع أدبي ينتج داخل مجال محاصر بالأدب، إن كل رواية أو قصيدة، كل كتابة جديدة هي مشاركة داخل المنظر السابق، وعلى الشاكلة نفسها، يمكن تفسير ارتكاز اتجاه في قراءة النصوص الشعرية الذي بلغ ذروته في القرن الرابع للهجرة على سنن شعرية بتجلياتها المباشرة أو المفترضة على الأقل مسندة إلى عصور الشعر الأربعة، فمن الملاحظ أن هناك تفاعلا مستمرا بين شعراء العصر الجاهلي، فقد كان الواحد منهم يكثر من الأخذ عن شعر غيره ويقوم بتحويله، وتتمثل مبادرة القارئ في صياغة فرضية هذا الأخذ انطلاقاً من مدى كفاية الشاعر الجاهلي في إعادة إنتاج ما حفظه ورواه، ولما كان الأخذ ذاته في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي يقع داخل الرؤية الشعرية السابقة فقد استمر الشاعر المتلقي يردد تصوره عن النص الشعري كتحويل لآخر يوسم بالإغارة والانتحال مرة وبالسرقة والأخذ أخرى.
ولما كانت شواهد هذا القلب تقع داخل الرؤية التي بررت انتشار الأنموذج الشعري، فإن طريقة تصور التحويل قد أخذ هذه المرة بمجال رؤية حاولت أن تحافظ على فكرة ما إذا كان هذا الشعر شعرا مسروقا أو مأخوذا مشفوعين بوصف يحاول أن يصل بينهما وبين طريقة في استعارة معاني شعر سابق عن طريق الإغارة والنقل مرة والسلخ والتكرار أخرى والاختلاس مرة والتحويل أخرى، ودرجة تصور هذا التحويل عن طريق الزيادة في المعنى وإشباعه، ومن هنا أصبح الشاعر والمتلقي يشاركان في لعبة الأخذ والاختراع مرة، والخفاء والتجلية أخرى. ولا ولا تتم الإشادة بهذه اللعبة إلا إذا كان النص الشعري الجديد على درجة من الإجادة والملاحة، وأياً تكون طبيعة العلاقة ودرجتها، فالعلاقات سالفة الذكر إنما تبرر الظاهرة التناصية، فهي تحيل، بقصد أو دون قصد إلى نصوص لها جذورها في الذاكرة الجماعية، وهي تدور في فلكها وتحقق وجودها بناء على علاقتها المعقدة مع نصوص أنتجت في زمن سابق ومرتبة ترتيباً تاريخياً متعاقباً.