0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

أولاً مفهوم الثقافة : يُعتبر مفهوم الثقافة من بين المفاهيم المثيرة للجدل والاختلاف وذلك يبدو جليا بين الأكاديميين والمفكرين على حد سواء فقد استخدمت تخصصات الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلوم الدراسات الإنسانية مجموعة كبيرة من التعريفات ويرجع البعض تطور كثير من التعريفات إلى كونها لا تتميز بالوضوح بين المفهوم من ناحية والأشياء التي يشير إليها من ناحية أخرى لكن أغلب التعريفات العلمية تشير إلى التعليم والاكتساب كوسيلة لتناقل الثقافة واعتبار الثقافة هي طرائق وأساليب الاستجابة للتحديات التي يواجهها الإنسان في تفاعله مع الطبيعة ويمكن فهم خصوصية الثقافة باعتبارها تمثل نظام القيم الأساسي للمجتمع.

1. المفهوم اللغوي : جاء في لسان العرب ثقف الشيء ثقفا وثقافاً وثقوفة حذقه ورجل ثلت وثقت حاذق الفهم ولم يرد فيه لفظ مثقف، أما لفظ الثقافة فقد ورد كمصدر بمعناه الحذق وثقف الرجل ثقافة، أي صار حاذقا خفيفاء. 

2. المفهوم الاصطلاحي : يعد مفهوم الثقافة من أكثر المفاهيم تداولا وشيوعا ومن أكثرها غموضا وتعقيدا، وهو المفهوم الذي تساقطت أمامه جهود الباحثين الذين حاولوا تعريفه وتحديد ملامحه ولقد وقع كلكهون على مئة وستين 160 تعريفاً للثقافة وذلك منذ خمسة وعشرين سنة، ولعل من أقدم التعريفات للثقافة وأكثرها ذيوعا حتى الآن لقيمته التاريخية تعريف الدوارد تايلور الذي قدمه في أواخر القرن الـ 19 في كتابه الثقافة البدائية عام 1871 الذي ترجم إلى الفرنسية سنة 1876 بأن الثقافة والحضارة هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة المعتقدات، الفن الأخلاق القانون العادات وكل القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع يعتبر هذا التعريف أقرب إلى الوصف إذ نقل الثقافة إلى المستوى الاجتماعي ووقائعه التي يمكن ملاحظتها مباشرة في فترة زمنية محددة خاصة في ظل ما يُنتجه المجتمع اجتماعيا والذي من خلاله تكون له علاقة بالثقافة لتتحول فيما بعد إلى إحدى مكوناتها ومدلولاتها الثقافية وبذلك تميز مجتمع عن باقي المجتمعات. 

أبرز تعريف إدوارد تايلور العناصر اللامادية للثقافة التي تنتج نتيجة التفاعل المجتمعي بين الأفراد إضافة إلى كل العناصر التي يكتسبها المجتمع من خلال العلاقات الاجتماعية وذلك بفعل عملية الاتصال ومن ثمة اكتساب العناصر المادية المكونة للثقافة إجمالا فبالرغم من القيمة المعرفية لتعريف تايلور فهو يصطبغ بطبيعة أنثروبولوجية تفسر المجتمع وموروثاته المختلفة بناءا على المكونات المادية واللامادية للثقافة بالإضافة إلى ذلك فهناك تقارب كبيرا جدا بين الثقافة والحضارة من ناحية التركيبة المتنوعة فهي شملت كل ماله علاقة بالمجتمع والإطار المجتمعي للفرد لذا يمكن ملاحظتها في الواقع واستنتاج تأثيرات هذه المكونات على الهوية المشكلة لها على المستويين الفردي والجماعي كما أوضح تايلور شمولية الثقافة على القدرات التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع الأمر الذي يجعل أهم عامل في هذا الاكتساب هو القدرة على التعلم من الجماعة. 

لكن الجماعة والأفراد في كثير من الأحيان يخلطون بين مفهوم الثقافة الحقيقي والمفاهيم الأخرى فهم يعتبرونها كل ماله علاقة بالرقص والفن والموسيقى متناسين بأن الثقافة في مدلولاتها الحقيقية هي بطاقة تمثل طبيعة المجتمع ومستواه الحضاري والثقافي وهذا ما أوضحه مصطفى بوتفنوشت في كتابه الثقافة في الجزائر بقوله يبقى مفهوم الثقافة شاسعا وأكثر عمقا أنا اعتقد بأن الثقافة هي وقود فكر لأية أمة البلاد ليست إلا مجموعة من الأفراد المجردين من الفكر والذين شكلوا أمة. 

كما عرف میشان مان الثقافة على أنها تشتمل على الأفكار الممارسات الأدوات الرموز الفنون وكافة أنواع الإنتاجات البشرية والتي تختلف في ذلك تبعا لاختلاف الزمان والمكان فهو يبرز العناصر اللامادية لحياة الناس في الجماعة كالأخلاق القانون العرف والتي تنشأ نتيجة التفاعل الاجتماعي وتأخذ طابعا إلزاميا إلى جانب العنصر المادي للثقافة علاوة على العلاقات بين الناس وبين العناصر المكونة للثقافة. 

ويرى رالف لينتون أن الثقافة كل متناسق من السلوك المتعلم ونتائج هذا السلوك وأن العناصر المكونة لهذا الكل تكون مشتركة بين أفراد المجتمع الواحد وتنتقل بواسطتهم من جيل إلى جيل آخر ويتضمن السلوك المتعلم هنا كل ما يقوم به الفرد من أفعال سواء أكانت ظاهرة أو غير ظاهرة عضوية كانت سلوك. 

فكلا التعريفين السابقين قدما أهم العناصر المكونة للثقافة وأبرزا الفكر المشترك بينهما وهو ما يكون أحيانا متوازنا ومكتسبا عن طريق التناقل والتعلم بينهم مما يمنحهم سلوكيات معينة داخل بيئتهم الاجتماعية مهما كانت طبيعتها فهي تضفي عليها صبغة تميزها عن باقي المجتمعات فالثقافة حسب هذا التعريف مظهر للسلوك المكتسب ولنتائج ذلك السلوك يشترك في مكوناتها الجزئية أفراد مجتمع معين بحيث تنتقل عن طريق هؤلاء الأفراد. 

ويعرف دورثي لي الثقافة بأنها منسق من الرموز بواسطته يعطي الأفراد معنى لكل ما هو موجود حولهم فالسلوك الإنساني كما تحدده الثقافة نسق بربط الفرد بعالمه سواء أكان ذلك العالم هو المجتمع أو الطبيعة أو الكون المتعارف عليه أو الحقيقة المطلقة فسلوك الفرد في أي موقف اجتماعي ما هو إلا تعبير عن هذه العلاقة فالإطار الثقافي لأي مجتمع يُشكل تصرفات أفراده معارفهم تفكيرهم وتفسيرهم لكل ما يدور حولهم وبذلك تضع الثقافة القوانين المنطقية والمبادئ الفكرية والحدود الثابتة فتقدم لأفرادها الدليل الذي يُرشدهم في تفسير كل ما هو موجود في مجتمعهم فيوجههم إلى طرق وأساليب العمل التي تمكنهم من القيام بدورهم في المجتمع في حدود إمكانياتهم فلكي تنتقل كل الرموز يجب أن يتوفر سياق لغوي يربط فيما بين أفراد المجتمع وبواسطتها تستمر بطريقة ديناميكية. 

ويشير هذا التعريف إلى العلاقة بين اللغة والمجتمع والثقافة فهي علاقة وثيقة باعتبار اللغة هي وعاء الفكر وأداة للتعبير، وقد ثبت أن اللغة تتأثر أيما تأثر بحضارة الأمة، نظمها، تقاليدها، عقائدها واتجاهاتها العقلية ودرجة ثقافتها ونظرتها إلى الحياة وشؤونها الاجتماعية العامة وما إلى ذلك، فكل تطور يحدث في ناحية من هذه النواحي يتردد صداه في أداة التعبير. 

فأساس التعبير في المجتمع هو اللغة فالعلاقة وثيقة فيما بين اللغة المجتمع والثقافة فهي أحد مكونات هذه الأخيرة، ولا يمكن انتقال الأفكار المعتقدات والآراء وتلبية احتياجات الأفراد بدون اللغة، وبتعدد الثقافات والمجتمعات تتعدد اللغات من مجتمع للآخر، وأيضا اختلافها نتيجة الفروق بين الأفراد، لكن هذا الاختلاف هو الذي سمح بالتنوع الثقافي شريطة الحفاظ على الخصوصية الثقافية لكل منطقة. 

أما تعريف كلباتريك للثقافة فهي كل ما صنعته يدا الإنسان وعقله من الأشياء ومن مظاهره في البيئة الاجتماعية أي كل ما اخترعه الإنسان وما اكتشفه، وكان له دور في العملية الاجتماعية ويعني هذا التعريف أن الثقافة تشمل اللغة العادات التقاليد، المؤسسات الاجتماعية والمستويات المفاهيم الأفكار والمعتقدات إلى غير ذلك مما نجده في البيئة الاجتماعية من صنع الإنسان وقد توارثه جيل بعد جيل بمعنى آخر يرى كلباتريك أن للثقافة جانبين هما : الجانب المادي والجانب غير المادي. 

وهذا ما حاول توضيحه محمد إبراهيم عبيدات عندما عرفها على أنها مجموعة قيم ذات الطابع المادي والمعنوي، الأفكار والمواقف والرموز التي يبرزها أفراد ثقافة ما نحو مختلف نواحي حياتهم والتي يتم تطويرها وإتباعها بواسطة أفراد هذا المجتمع والتي تشكل أنماطهم السلوكية والاستهلاكية التي تميزهم عن أفراد تابعين لثقافات أخرى أصلية وفرعية. 

وقد اقترب ابن خلدون من معنى الثقافة عندما تحدث عن العمران، في مقدمته أن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العمران ولقد غدا الاهتمام بمسألة الثقافة يتعاظم فظهرت العديد من الدراسات حول الموضوع، فالجابري يقول أنها ذلك المركب المتجانس من الذكريات، التصورات القيم الرموز التعبيرات الإبداعات والتطلعات التي تحفظ لجماعة بشرية تشكل أمة أو ما في معناها بهويتها الحضارية في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والعطاء وبعبارة أخرى أن الثقافة هي المُعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم عن نظرة هذه الأمة إلى الكون الحياة الموت الإنسان مهامه قدراته حدوده، وما ينبغي أن يعمل وما ينبغي أن يأمل. 

فالثقافة تعبر عن المضمون الفكري الذي يحدد للمجتمع سماته التي تميزه عن غيره من المجتمعات إذ تحمل بين طياتها السمات الاجتماعية المتوازنة والمستجدة، وتعتبر أيضا ثمرة النشاط الفكري والمادي الخلاق والمرن لدى الإنسان. 

ويرى محمود أمين في الثقافة بأنها رؤية شاملة للعالم بمستوى أو آخر تتجلى أو تتجسد فرديا ومجتمعيا في المفاهيم القيم ظواهر السلوك الممارسات المعنوية العملية الحياتية المختلفة، توجدها اللغة في المجتمع الواحد وإن تنوعت بتنوع فئات هذا المجتمع من حيث مواقعها الاجتماعية ومواقعها الفكرية بما يُشكّل الخصوصية الثقافية والقومية العامة لهذا المجتمع. 

من التعريفات السابقة تتضح أهمية اللغة كمكون وجامع للثقافات الإنسانية على اختلافها ضف إلى ذلك أنها مرآة الثقافة والمخزون لأهم الرموز المستخدمة للتواصل الاجتماعي بين أفراده، وفيها يتم تناقل العادات والتقاليد وأهم الأفكار المسموح بها بين الأفراد كضوابط اجتماعية تميز الثقافة وتصطبغ بها الهوية. 

فينظر إليها على حرب على أنها صناعة الحياة والاشتغال على الطبيعة وشكل من أشكال التواصل والتبادل بهذا المعنى لا إنسان بلا ثقافة سواء أكان من أهل العمل الفكري أم من أصحاب العمل اليدوي، لأنه لا إنسان أصلا بلا فكر في موضع آخر بأنها عالم من الرؤى النماذج القيم المواقف أو من المفاهيم والمعايير، هذا العالم من المعاني والدلالات والعلاقات ليس متجانسا بل هو منسوج من الفرق والاختلاف قائم على الوصل والفصل، ولا يخلو من التعدد والتعارض إنها تركيبة يُعاد تشكيلها على سبيل التطعيم والتهجين. 

هذه أهم التعريفات المصطلح الثقافة ونرى بأن مجمل التعاريف تصب في تعريف تايلور فهي تشمل اللغة العادات والتقاليد فهي ذات طبيعة اجتماعية لأنها تتكون نتيجة تجمع الأفراد خاصة بالأفراد كأعضاء في جماعة وليس أفراد متفرقين وهذا ما عرضه براون أن الثقافة هي العملية التي تنتقل بها اللغة والمعتقدات والأفكار والمعرفة والمهارات من مجموعة أو طبقة اجتماعية معينة ومن شخص لشخص أو من جيل إلى آخر. 

فهي عبارة عن مزيج من المعرفة العقائد الفنون الأخلاقيات والقانون العادات القيم والتقاليد كما تعد سلوكا مكتسبا أي أن الفرد لا يرثها وإنما يتعلمها عن طريق التعايش مع مجتمع معين فالطفل مثلا ينمو في مجتمع له ثقافته الخاصة وتتكون الثقافة لديه من خلال ما يتعلمه وما يمر به من خبرات ومعارف وتجارب في حياته ومن خلال عمليات الاتصال بالمجموعات التي ينتمي إليها فالثقافة تنتقل من جيل إلى جيل من طرف المجتمع وأفراده إن معتقدات الفرد وقيمه وعاداته وغيرها من مكونات الثقافة تؤثر على الطريقة التي يستجيب بها الفرد لمواقف معينة في حياته اليومية، فكل واحد منا مثلا يتأثر تقييمه للسلع والخدمات المعروضة بالثقافة. 

ثانياً أنواع الثقافة؟ 

قبل التطرق لأنواع الثقافة بودي أن أعرج قليلا على الثقافة الأصيلة والأصلية للثقافة العريقة، الا وهي الثقافة العربية الإسلامية التي تطغى على كل الثقافات مهما كانت أنواعها والتي يعرفها عبد السلام المسدني بأنها مناط الشخصية العربية ومستودع قيمها ووعاء حكمتها وحقيقة هويتها الحضارية أنها ثقافة إنسانية أصلية شاملة لمظاهر المادة والروح ذات عراقة تاريخية تتميز بقيم فكرية عالية وقيم الحق والعدل والمساواة واحترام المعرفة ثقافة تمثل الثقافات الأخرى دون إذابة أو ذوبان تنفرد بجهاز لغوي ليس له مثيل في السبعة والمرونة وأهم شيء في مفهوم الثقافة في الحضارة العربية الإسلامية هو التلازم بين كل ما هو ثقافي وقيمي فضلا عن الارتقاء بالإنسان إلى أقصى الدرجات ذلك أن موضوع الثقافة في أصله وجوهره هو لماذا نحيا أي السؤال عن معنى الحياة عكس الحضارة والتي يغلب عليها الطابع المادي والتي تتمحور حول سؤال كيف نحيا وبالتالي فهو سؤال عن كيفية الحياة.

١. الثقافة النخبوية هي الثقافة التي تحصلت عليها نخبة من المجتمع بواسطة عدة وسائل منها الكتاب وهي ثقافة مكتوبة لا يتحصل عليها إلا من يعرف القراءة والكتابة، وهي تعبر عن مواقف المجتمع عندما تكون نابعة منه، وهي التي يُطلق عليها محمد عابد الجابري اسم الثقافة العالمية والتي تضم حسبه طريقة الحياة المادية والروحية لكي تمنح لكل أمة خصوصيتها وهي معدن الهوية حيث تمتد من طريقة الملبس والمأكل والضحك إلى مكونات الذاكرة الجماعية والخيال الاجتماعي والرأسمال الرمزي. 

هي تستعمل لتشير إلى المعطيات ذات الخصوصية المتميزة بدرجة عالية في الرقي فهي تعتبر من جانب الوسط الثقافي أعلى درجة الإبداع الإنساني فالأعمال الفنية ذات الحضور المستمر تعد مثالاً عن الثقافة العالية وتتضمن أعمالا مثل الأوبرا والسمفونيات الكلاسيكية لبيتهوفن وموزار واللوحات الفنية مثل اليوناردو دافنشي وكذلك أعمال شكسبير وجون ملتين والعديد ممن يستعمل مصطلح الثقافة العالية التي ينظر إليها كشكل أرقى من أشكال الثقافة الأخرى. 

من أبرز صفات الثقافة النخبوية أنها تنحصر في طبقة دون باقي الطبقات المجتمعية طبقة تعيش رخاء ورقي اجتماعي لدرجة أنها لا تهتم بكل ما تهتم به الطبقات الأخرى والتي هي دون المستوى الاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي، فهم في مكانة تسمح لهم بالاستمتاع بكل متزفات الحياة في حين الذين لا يملكون وقت لهذا الرقي والبذخ المادي يكونون في مراحل التفكير كيف يحتلون مستواهم المادي ومع ذلك يملكون ثقافة تميز مستواهم ومكانتهم بين باقي الثقافات وهي تسمى بالثقافة الشعبية. 

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
٢. الثقافة الشعبية؟

إن إثارة مسألة ثقافة المجموعات المهيمن عليها تؤدي لا محالة إلى إثارة الجدال حول مفهوم الثقافة الشعبية ففي فرنسا تدخلت العلوم الاجتماعية متأخرة نسبيا في هذا النقاش الذي كان في البداية أي في بداية القرن الـ 19 من فعل المحللين الأدبيين خاصة إذا كان منحصرا في تفحص الأدب المسمى شعبيا  وخاصة منه أدب البيع الجوال لاحقا ومع دارسو الفلكلور المنظور بأن اهتموا بالتقاليد الفلاحية ولم يقارب علماء الأنثروبولوجيا  والاجتماع حقل الدراسة هذا إلا منذ أمد أقرب.

هي عكس الأولى وهي الثقافة الشفوية التي ينقلها المجتمع من جيل لآخر شفويا كالشعر الملحون والحكايات والعادات والتقاليد وفي الغرب تسمى الفلكلور من غناء ورقص وهذا الفلكلور الذي يعبر عن تفاعل مباشر بين الناس بشكل متناغم تتبوأ فيه الكلمة الشفهية المكانة الأولى، أما أحدث تعريف للفلكلور فقد أصدره مؤتمر الفلكلور الذي عقد في أرنهيم سنة 1955 في توصياته حيث يُعرف الفلكلور بالنظر إلى مادته على أنه هو المأثورات الروحية الشعبية وبصفة خاصة التراث الشفوي وهو أيضا العلم الذي يدرس هذه المأثورات ويتألف اصطلاح فولكلور من مقطعين بمعنى الناس وهي الكلمة الانجليزية القديمة بمعنى معرفة أو حكمة فالفلكلور حرفيا هو معارف الناس أو حكمة الشعب.

ففي بعض الكتب والمراجع يُنظر لها على أنها ثقافة الناس العاديين وخاصة أولئك الذين يعيشون في مجتمعات ما قبل الصناعة فثقافة العامة تتكون ذاتيا وهي متجانسة وتعكس مباشرة حياة وتجارب الأفراد حيث تبرز كما تبرز الأعشاب من الجذور وكمثال على الثقافة العامة الأغاني التقليدية والقصص المتنقلة من جيل لجيل ويُنظر لها باعتبارها أقل قيمة من الثقافة العالية.

يرى غرامشي أن الثقافة الشعبية لا تقل أهمية عن باقي أنواع الثقافة الجماهيرية فهي تكمن في حل مشكلة التغيير والتنمية ويؤكد على عدم النظر للفلكلور على أنه مجرد رقصات وغناء وكلمات شعبية تعبر عن آراء ومعتقدات الطبقات المجتمعية الشعبية بل أنه صورة أخرى للحياة بطريقة جادة وهو انعكاس للأفراد وطريقة معيشتهم.

لكن بتدخل وتطور الثقافة ووسائل الاتصال الجماهيرية أثر على طبيعة هذا النوع مخلفا ما يسمى بجمهرة الثقافة هذه الأخيرة التي تعبر عن طبقة لها إيديولوجية معينة محاولة فرضها ليس على طبقة واحدة وإنما على كل الطبقات المجتمعية لتخلق نمطا واحدا عالميا.

٣. الثقافة الجماهيرية الثقافة الجماهيرية أو جمهرة الثقافة عن طريق وسائل الاتصال الجماهيرية وما تحاول كسبه على حساب المادة الإعلامية التي تقدمها هذه التقنيات الحديثة فهي تسعى إلى كسب عدد كبير جدا من الجماهير وبالمقابل التأثير عليهم ببثها مسلسلات إشهارات أغاني معتمدة على الجانب المعياري الاستهلاكي القوي كقاعدة لتنفيذ أفكارها.

إذن هذا النوع من الثقافة يختلف تماما عن النوعيين السابقين، فإذا كان الإنسان هو العامل المحرك في الثقافة النخبوية وخاصة الشعبية ففي الثقافة الجماهيرية تعتمد على التقانة كعامل أساسي إلى جانب الفرد في توسيع أفكارها ومنتقياتها الاستهلاكية فهي إذن مفهوم جديد يختلف عن النوعين السابقين وهي مرتبطة بوسائل الاتصال وتنتقل بواسطتها، وهي تؤثر على أفراد المجتمع بالتكرار وطول الزمن وبذلك فهي غالبا ما تصطدم بالنوعين السابقين.

وفي ذات السياق كتب إدغار موران: عندما بدأت التفكير حول مصطلح الثقافة الجماهيرية، ظهر لي شينان الحداثة التي جلبتها للثقافة المشتركة، والتي يُطلق عليها تزامن الثقافة الجماهيرية ومما يعني القدرة على احتواء مختلف المستويات الثقافية، ومختلف الأشياء ذات الأصول المختلفة، ومن جهة أخرى مختلف العلاقات الداخلية التي تربطها الثقافة الجماهيرية مع الخبرة الشخصية ما تجلبه الثقافة الجماهيرية هو الامتداد المعتبر للخبرة الشخصية، وبالأخص بعد مختلف للإشارة.

شهد مفهوم الثقافة الجماهيرية نجاحا كبيرا في الستينات ومزد هذا النجاح كان جزئياء لعدم دقته الدلالية والجمع بين مصطلحي ثقافة وجماهير، وعليه فليس مفاجئا إن أمكن استخدام المفهوم لبسط تحاليل ذات توجهات بائنة الاختلاف بعض علماء الاجتماع شأن إدغار موران مثلا يشددون على نمط إنتاج هذه الثقافة الذي يخضع إلى ترسيمات الإنتاج الصناعي الجماهيري أن تطور وسائل الاتصال الجماهيري يتوازن وادراج ما بات محددا من مؤشرات الإنتاجية والمردود في كل ما يهم الإنتاج الثقافي الإنتاج ينزع إلى تعويض الإبداع.

إنطلاقا مما سبق هناك اتجاهين بالنسبة للثقافة أحدهما يذهب إلى أن ثقافة الجماهير تذيب الفوارق الثقافية الموجودة والتي يعتبرها جورج ديهاميل من مقومات الفردية الخالفة يقول دوايت ماكدونالد إن مستوى الثقافة الجماهيرية قد ارتفع بشكل كبير مع تطور وسائل الإعلام وازدياد قدرتها، ولكن التحسن الذي ظهر هو نفسه إفساد للثقافة العلياء فما من شيء أكثر فجاجة من الثقافة الجماهيرية المتطورة.

هذه الفجاجة كما أشار إليها نوايت ماكونالد هي نتيجة العولمة وترتباتها أو ما تفرزه على مستوى الفرد والمجتمع، فنحن لا نغفل عن عوامل انتشارها من الرقعة الجغرافية الواسعة لاعتمادها على وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة والأهم هو توسيع أسواقها على أصقاع المعمورة إذن فلو تمعنا فيما تقدمه الثقافة الجماهيرية وما تتقاطع فيه مع العولمة لوجدناها أحد إستراتيجياتها لإنجاح العولمة عن طريق التجارة والاستهلاك النوعي والمادي ويتنميط كل شئ حتى الأفراد وأفكارهم وآرائهم وجعلهم أفراد سلبيين يتلقون ويقبلون دون إبداء الرفض أو القبول، مع ما يتم قبوله ويتماشى مع الثقافة العربية وفق الضوابط المجتمعية، أو رفض كل مع ما يتعارض مع القيم والمعايير المتفق عليها مجتمعيا.

بالموازاة مع ذلك، نجد الإتجاه الآخر عالمية الثقافة أو الثقافة العالمية وهو اتجاه متفائل يذهب إلى أن الطابع الأساسي لثقافة الجماهير هو ما يتسم به هذا الطابع من عالمية إذ نجد لأول مرة أعضاء المجتمع جميعا يشتركون في إطار دلالي موحد ونجد كذلك لأول مرة برغم انتشار المساواة الاجتماعية أن جميع الأفراد يكتسبون المواطنة الثقافية، ويذهب أصحاب هذا الاتجاه تأسيسا على ذلك إلى أن ثقافة الجماهير أيا كانت تخرج الكتل الجماهيرية من ظلام الجهل ومن حلكة الروتين الذي تعيش فيه من ذي قبل.

فإذا كانت الثقافة الشعبية هي ثقافة العامة التي يُنظر إليها كصورة لما قبل الحداثة ولما قبل المجتمع الصناعي، فإن ثقافة الجماهير هي إفراز للمجتمعات الصناعية، وهي بالضرورة إفراز للإعلام الواسع، مثال على ذلك الأفلام ذات الطابع الشعبي والمسلسلات التلفزيونية المحلية وأشرطة موسيقى البوب والمنتقدين لهذه الثقافة يرون أنها تحط من قيمة الأفراد وتحطم النسيج الاجتماعي، وإذا كانت الثقافة العامة يصنعها الناس العاديون فإن الثقافة الجماهيرية تستهلك فقط جانب من جوانب الأفراد، وبناءًا على هذه النظرة يُصبح المشاهدون أعضاء سلبيون في المجتمع الجماهيري ولا يستطيعون التفكير في أنفسهم.

وتدعيما لهذا العرض المبسط حول الثقافة الجماهيرية نورد الجدول الآتي الذي يوضح مختلف أنواع الثقافة والتي تطرقنا لها أنفا باختصار.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
سُئل أكتوبر 28، 2024 في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة أثير الثقافة (4.2مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...